السنة الأخيرة لتروتسكي  :الجزء الثاني

دافيد نورث
٢٨ تشرين الأول أكتوبر ٢٠٢٠

نُشر هذا المقال لأول مرة باللغة الإنجليزية في 21 أغسطس 2020

في أعقاب انقسام  الأقلية  في حزب العمال الاشتراكي، تمكن تروتسكي من توجيه انتباهه إلى كتابة بيان للمؤتمر الطارئ للأممية الرابعة، الذي تمت دعوته للرد على التوسع المفاجئ للحرب في غرب أوروبا. تلا الاجتياح السريع لألمانيا النازية  لبولندا في خريف عام 1939 فترة هدوء طويلة في الصراع العسكري، أطلق عليها اسم "سيتزكريغ"(حرب الخنادق). لكن في أبريل 1940 ، بدأ هتلر مرحلة جديدة في الحرب. تحركت القوات الألمانية غربًا، واستولت أولاً على النرويج والدنمارك، وفي مايو، اجتاحت هولندا وبلجيكا وفرنسا.

بدأ بيان تروتسكي بتوجيه نداءاً مثيراً لجميع ضحايا القمع الرأسمالي الإمبريالي.

لا تخاطب الأممية الرابعة الحكومات التي جرّت الشعوب إلى المذابح، ولا السياسيين البرجوازيين الذين يتحملون مسؤولية هذه الحكومات، ولا البيروقراطية العمالية التي تدعم البرجوازية المتحاربة. بل إن الأممية الرابعة تخاطب  العمال والعاملات والجنود والبحارة والفلاحين المدمرين والشعوب المستعمرة المستعبدة. الأممية الرابعة لا علاقة لها إطلاقا بالمضطهدين، المستغِلين، الإمبرياليين. إنها حزب الكادحين والمضطهدين والمستغلين العالميين. هذا البيان موجه لهم.

رفض البيان جميع التفسيرات الرسمية لاندلاع الحرب حيث كتب تروتسكي: "على عكس الخرافات الرسمية المصممة لتشويش الناس، فإن السبب الرئيسي للحرب مثل كل الشرور الاجتماعية الأخرى بما فيها البطالة ، غلاء المعيشة، الفاشية، القهر والاستعماري  هو الملكية الخاصة لوسائل مع الدولة البرجوازية التي تقوم على هذا الأساس ".  وكما كان الحال في الحرب العالمية الأولى ، فإن  التنافس بين القوى الإمبريالية كان وراء اندلاع الصراع العسكري. 

في الوقت الحالي، كانت الأطراف الرئيسية في هذا الصراع العالمي هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في حين تسعى اليابان إلى تحقيق مصالحها في آسيا. لكن في خلفية المسرح تكمن الولايات المتحدة التي توقع تروتسكي أنها"ستتدخل في الصدام الهائل في سبيل الحفاظ على هيمنتها على العالم. لم يٌعرف بعد شكل ووقت الصراع بين الرأسمالية الأمريكية وأعدائها - وربما لم يٌعرف حتى من قبل واشنطن.  كما أن  الحرب مع اليابان  ستكون صراعًا من أجل المجال الحيويً  في المحيط الهادئ.إن الحرب في المحيط الأطلسي، حتى لو وجهت مباشرة ضد ألمانيا ، ستكون صراعاً على إرث بريطانيا ". 

لقد تجاهل تروتسكي المزاعم القائلة بأن النخب الحاكمة كانت تشن حربًا "للدفاع عن" الوطن ". كتب أن البرجوازية لا تدافع أبدًا عن الوطن من أجل الوطن. إنهم يدافعون عن الملكية الخاصة والامتيازات والأرباح. ... فالوطنية الرسمية هي قناع لمصالح المستغِلين لكن العمال الواعين طبقياً  يرمون هذا القناع جانبا بازدراء ". أما في ما يتعلق بالتذرع الطنان بالمثل الديمقراطية ، فلم يكن أقل تزويرًا من التصريحات الوطنية. إن جميع الديمقراطيات ، و بريطانيا في المرتبة الأولى ، ساعدت في إيصال هتلر إلى السلطة. وقد حصلوا جميعًا على جزء كبير من ثروتهم من الاستغلال الوحشي للشعوب المستعمرة.

لم يكن نظام هتلر سوى "التقطير الكيميائي النقي لثقافة الإمبريالية". كان الادعاء المنافق بأن القوى الديمقراطية تحارب الفاشية تشويهًا سياسيًا صارخًا للتاريخ وللواقع.

إن الحكومات الديمقراطية، التي أشادت سابقاً بهتلر بوصفه قائداً لحملة صليبية ضد البلشفية، تجعله الآن نوعًا من الشيطان الذي أفلت بشكل غير متوقع من أعماق الجحيم، والذي ينتهك حرمة المعاهدات وخطوط الحدود والقواعد واللوائح،  و لولا هتلر لكان العالم الرأسمالي يزدهر مثل الحديقة. يا لها من كذبة بائسة! هذا المصروع الألماني الذي يحمل آلة حسابية في جمجمته وقوة غير محدودة في يديه لم يسقط من السماء أو يخرج من الجحيم: إنه مجرد تجسيد لجميع القوى المدمرة للإمبريالية. 

ثم تحول تروتسكي إلى دراسة الدور الذي لعبه ستالين في المساعدة في اندلاع الحرب.

إن تحالف ستالين مع هتلر، الذي أطلق شارة بدء  الحرب العالمية وأدى مباشرة إلى استعباد الشعب البولندي، نتج عن ضعف الاتحاد السوفيتي وهلع الكرملين في مواجهة ألمانيا. وتقع المسؤولية عن هذا الضعف على عاتق الكرملين نفسه حيث أن سياسته الداخلية حفرت هوة بين الطبقة الحاكمة والشعب ؛  أما سياسته الخارجية ، فقد ضحت بمصالح الثورة العالمية لمصالح الزمرة الستالينية. 

فعلى الرغم من جرائم ستالين ، فإن غزو الاتحاد السوفيتي من قبل النازيين - والذي اعتقد تروتسكي أنه حتمي - من شأنه أن يثير التساؤل ليس فقط حول بقاء دكتاتورية الكرملين بل حول بقاء الاتحاد السوفياتي. إن إنجازات الثورة، مهما شوهتها الستالينية، لا يمكن أن تستسلم لجيوش الإمبريالية الغازية. ثم أعلن تروتسكي، "بينما تشن نضالًا لا يكل ضد الأوليغارشية في موسكو" ، فإن الأممية الرابعة ترفض بحزم أي سياسة من شأنها أن تساعد الإمبريالية ضد الاتحاد السوفيتي". ثم تابع:

يتزامن الدفاع عن الاتحاد السوفياتي من حيث المبدأ مع التحضير للثورة البروليتارية العالمية. نحن نرفض رفضًا قاطعًا نظرية الاشتراكية في بلد واحد، ذلك الطفل االذي ابتدعه عقل الستالينية الجاهلة والرجعية. إن الثورة العالمية وحدها هي التي تستطيع إنقاذ الاتحاد السوفياتي من أجل الاشتراكية. لكن الثورة العالمية تحمل في طياتها الاندثار الذي لا مفر منه للأقلية الحاكمة في الكرملين.

شمل تحليل تروتسكي للحرب التطورات في الممتلكات الاستعمارية، التي كان مقتنعا بأنها ستصبح مسرحا هائلا للنضالات الثورية العالمية.  و كتب: " إن الحرب الحالية بمجملها هي حرب على المستعمرات. جيث يتم اصطياد المستعمرات من قبل البعض في حين تكون محتجزة من قبل الآخرين الذين يرفضون التخلي عنها. وليس لدى أي من الجانبين أدنى نية  لتحريرها طواعية. وستضطر المراكز الحضرية المتدهورة إلى نهب أكبر قدر ممكن من ثروات المستعمرات وإلى أن تمنحها في المقابل أقل قدر ممكن منها. إن النضال الثوري المباشر والمفتوح للشعوب المستعبدة هو وحده الذي يمكن أن يمهد الطريق لتحررها". 

قام تروتسكي بمسح للأوضاع الاقتصادية والسياسية في الصين والهند وأمريكا اللاتينية.  مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة بكل وضع ، كان انتصار النضال ضد القوى الإمبريالية يعتمد على إرساء الاستقلال السياسي للطبقة العاملة عن النخب الحاكمة الوطنية الفاسدة الفاقدة مصداقيتها. احتفظت نظرية الثورة الدائمة - التي قادت الطبقة العاملة الروسية إلى السلطة عام 1917 - بصلاحية كاملة بالنسبة للطبقة العاملة في جميع البلدان المضطهدة من قبل الإمبريالية. كانت الإطاحة بالحكم الإمبريالي مرتبطة بشكل وثيق لا ينفصل عن النضال في سبيل سلطة العمال وفي سبيل الاشتراكية. علاوة على ذلك، كما أثبت مثال روسيا ، لم يكن هناك نظام خاص يحدد بشكل مسبق متى يكون لدى بلد أو آخر ظروف تسمح للطبقة العاملة بالاستيلاء على السلطة. وكتب تروتسكي مفسراً:

إن منظور الثورة الدائمة لا يعني بأي حال من الأحوال أن البلدان المتخلفة يجب أن تنتظر إشارة الدول المتقدمة ، أو أن الشعوب المستعمرة يجب أن تنتظر بصبر بروليتاريا المراكز الحضرية لتحريرها. فالمساعدة تذهب لمن يساعد نفسه. و يجب على العمال أن يطوروا النضال الثوري في كل بلد ، مستعمَر أو إمبريالي ، حيث توفرت الظروف المواتية ، ومن خلال ذلك أن يكونوا قدوة لعمال البلدان الأخرى. إن المبادرة والنشاط والعزم والجرأة هي وحدها التي يمكن أن تجسد حقًا شعار "يا عمال العالم ، اتحدوا!" 

في القسم الختامي من البيان، عاد تروتسكي إلى القضايا النظرية والسياسية المركزية التي أثارها في المرحلة الافتتاحية  حول النضال الفصائلي ضد الأقلية البرجوازية الصغيرة والتي كانت ستشغله في الأسابيع الأخيرة من حياته. إن تحضير اندلاع الحرب العالمية الثانية تم من خلال الخيانات من قبل جميع منظمات الطبقة العاملة الجماهيرية القائمة، سواء كانت اجتماعية ديمقراطية أو ستالينية أو فوضوية أو أي نوع آخر من الإصلاحية. كيف إذن ستجد الطبقة العاملة الطريق إلى السلطة؟

استعرض تروتسكي الشروط الأساسية لاستيلاء الطبقة العاملة على السلطة: أزمة تخلق مأزقا سياسيا يربك الطبقة السائدة.وانتشار السخط الشديد على الظروف القائمة بين قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى بحيث تحرم كبار الرأسماليين من دعمها ؛ والاقتناع داخل الطبقة العاملة بأن الوضع لا يطاق والاستعداد لاتخاذ إجراءات جذرية ؛ وأخيرًا برنامج وقيادة حاسمة داخل الأقسام المتقدمة من الطبقة العاملة. ولكن قد تتطور كل حالة من هذه الحالات بوتيرة مختلفة. بينما تجد البرجوازية نفسها في مأزق سياسي وتبحث الطبقة الوسطى عن بدائل للظروف القائمة ، فإن الطبقة العاملة - تحت تأثير الهزائم السابقة - قد تظهر ترددًا في الدخول في صراعات حاسمة. واعترف تروتسكي بأن الخيانات خلال السنوات التي سبقت اندلاع الحرب قد خلقت حالة من الإحباط بين العمال.لذا نصح تروتسكي قائلاً"على المرء، مع ذلك، ألا يبالغ في تقدير استقرار أو ديمومة مثل هذه الحالة المزاجية. "فالأحداث خلقتهم ؛ والأحداث سوف تبددهم ". 

وفي التحليل الأخير، مع الأخذ في الاعتبار التفاعل المعقد بين العناصر المتناقضة لأزمة مجتمعية أساسية، فإن مصير الثورة يعتمد على حل مشكلة القيادة. وفي مواجهة هذه المشكلة، طرح تروتسكي سؤالين افتراضيين: ألن تخون  الأمميتان  (الاشتراكية الديمقراطية أو الأممية الثانية والأممية الستالينية الشيوعية ، المعروفة أيضًا باسم الكومنترن) في خدمة الإمبريالية  الثورة  في حين لا تشكل العناصر الثورية الحقيقية إلا أقلية صغيرة؟  بعبارة أخرى: هل ننجح في إعداد حزب قادر في الوقت المناسب على قيادة الثورة البروليتارية؟ " 

وفي مقاله "الاتحاد السوفياتي والحرب"، الذي كتبه قبل ثمانية أشهر في سبتمبر 1939 ، أشار تروتسكي إلى أن نتائج الحرب العالمية الثانية يمكن أن تكون حاسمة في تحديد قابلية استمرار منظور الثورة الاشتراكية :  "نتائج هذا الاختبار سيكون لها بلا شك أهمية حاسمة في تقييمنا للعصر الحديث باعتباره عصر الثورة البروليتارية". لكن هذا التصريح اتخذ سمة ملاحظة قضائية، مثل ملاحظة عرضية تهدف، بشكل مشروع ، إلى التأكيد على خطورة الوضع العالمي والمخاطر التي يشكلها على الطبقة العاملة. و لم يكن القصد منه أن يقرأ كجدول زمني تاريخي غير قابل للتغيير. ففي وثيقة لاحقة كتبت في أبريل 1940 ، أوضح تروتسكي نقطة حاسمة حول منهجية التحليل الماركسي:

دائمًا ما يكون كل تشخيص تاريخي مشروطًا، وكلما كان التكهن أكثر واقعية، كان أكثر ارتباطاً بشروط  فالتكهن. ليس سنداً مالياً يمكن صرفه في تاريخ معين. لا يحدد التكهن سوى الاتجاهات المحددة للتطور. ولكن إلى جانب هذه الاتجاهات، يعمل نظام مختلف للقوى والتوجهات، والتي تبدأ في الهيمنة في لحظة معينة.  لذا يجب على جميع أولئك الذين يسعون للحصول على تنبؤات دقيقة للأحداث الملموسة استشارة المنجمين لأن التكهن الماركسي يساعد فقط في التوجيه.

مع حلول شهر مايو ، من الواضح أن تروتسكي سعى إلى توجيه الأممية الرابعة على أساس منظور امتد تحليله إلى ما بعد الحرب ونتائجها المباشرة. لم تكن الحرب تتويجاً لأزمة حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى فحسب ؛ بل كانت أيضًا بداية مرحلة جديدة في أزمة النظام الرأسمالي والثورة العالمية. كان على كادر الأممية الرابعة الاستعداد لفترة طويلة من النضال. وأقر بصراحة أنه "من الطبيعي أن تنتهي هذه الانتفاضة أو تلك وستنتهي بالتأكيد بالهزيمة بسبب عدم نضج القيادة الثورية. لكنها ليست مسألة انتفاضة واحدة. إنها مسألة حقبة ثورية كاملة ".

ما هو الاستنتاج الذي انبثق من هذا التقييم للحرب كنقطة تحول في تاريخ العالم؟

لا مخرج  أمام العالم الرأسمالي ، ما لم يؤخذ في الاعتبار عذاب احتضارالموت المطول. ومن الضروري التحضير لسنوات طويلة، إن لم تكن عقودًا، من الحروب والانتفاضات وفترات الهدنة القصيرة والحروب الجديدة والانتفاضات الجديدة. يجب على الحزب الثوري الشاب أن يرتكز على هذا المنظور. سيوفر له التاريخ فرصًا وإمكانيات كافية لاختبار نفسه، وتجميع الخبرة، والنضوج. كلما اندمجت صفوف الطليعة بشكل أسرع ، كلما تم تقصير فترة التشنجات الدموية ، وكلماقل الدمار الذي يعانيه كوكبنا.  لكن  في أي حال المشكلة التاريخية الكبرى لن تحل من الأحوال حتى يقف حزب ثوري ليقود البروليتاريا. مسألة الوتيرة والفترات الزمنية لها أهمية كبيرة ؛ لكنها لا تغير المنظور التاريخي العام ولا اتجاه سياستنا. الاستنتاج بسيط: من الضروري الاستمرار في العمل على  تربية وتنظيم الطليعة البروليتارية بقوة مضاعفة عشرمرات ففي هذا بالضبط تكمن مهمة الأممية الرابعة.