مقررات المؤتمر

الجائحة الشاملة، الصراع الطبقي، ومهام حزب المساواة الاشتراكية

حزب المساواة الاشتراكية  ( الولايات المتحدة)
٥ تشرين الأول أكتوبر ٢٠٢٠

 . إن جائحة كوفيد-19 هي حدث مولد لتداعيات في تاريخ العالم سرَّع الأزمة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية المتقدمة بالفعل في النظام الرأسمالي العالمي. وهي تخلق شروط تشديد هائل في الصراع الطبقي على المستوى الدولي. إن الطبقة العاملة تواجه أزمة ليس لها حل تقدمي باستثناء نضال ثوري ضد الرأسمالية، يقود إلى الاستيلاء على سلطة الدولة وفرض سيطرة ديمقراطية من قبل الطبقة العاملة  على الاقتصاد، واستبدال فوضى السوق بالتخطيط العلمي، وإنهاء نظام الدولة – الأمة، وبناء مجتمع اشتراكي عالمي مكرس للمساواة، والقضاء على الفقر وعلى كل أشكال الاضطهاد والتمييز، ورفع كبير لمستوى الحياة، ولمستوى الثقافة الاجتماعية، وحماية البيئة.

2. ومن خلال تعريف الجائحة بوصفها" حدثاً مولداً لتداعيات" قارنه موقع الاشتراكية العالمية باغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند في الثامن والعشرين من يونيو 1914، الذي ولد سلسلة من الأحداث انتهت باندلاع الحرب العالمية الأولى. وكتب موقع الاشتراكية العالمية "لو لم يحدث الاغتيال لكان هناك الكثير من الشك في اندلاع الحرب في أغسطس،لكن عاجلاً أم آجلاً ، وربما في شتاء 1914 أو في العام الذي يليه، فإن التناقضات الاقتصادية والجيو-سياسية للرأسمالية الأوروبية والعالمية كانت ستقود إلى انفجار عسكري. لقد أدى الاغتيال إلى تسريع صيرورة تاريخية لكنه  أثر على شروط اجتماعية  واقتصادية قابلة للاشتعال وقائمة بشكل مسبق. "

3. وفي حين أن الظروف النوعية التي أنتجت الفايروس التاجي كان لها سمة عرضية وطارئة، أما الاستجابة للجائحة فتحددت بالشروط القائمة مسبقًا  للأزمة الرأسمالية وبمصالح الطبقة الحاكمة.  إن الطبقة الرأسمالية تابعت وعززت  نفس العلاقات الاقتصادية الطفيلية والسياسات الاجتماعية التي استخدمتها خلال المرحلة السابقة.

4. لما بدأت الحرب العالمية الأولى، اعتقد كل الأطراف المتصارعة أنها ستنتهي بسرعة نسبياً. ومع ذلك تصاعد الصراع وامتد عاماُ تلو العام، لأن النخب الرأسمالية الحاكمة، التي أملت سياسة الحكومة، رأت في التضحية بحياة الملايين من العمال  تكلفة مقبولة لإنجاز مصالحها الجيو استراتيجية من الصراع. وتطلب الأمر تدخل الطبقة العاملة، في شكل  ثورة 1917 الروسية وموجة من النضالات الثورية عبر أرجاء أوروبا، لفرض وضع حد للمذبحة. أما في وضعنا الحالي فإن أكبر العقبات لتطبيق استجابة فعالة للجائحة هي المصالح الاقتصادية والجيو-استراتيجية للطبقة الرأسماليةالتي استفادت من الأزمة.  تستمر أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وفي العالم بالارتفاع، واقتربت الآن من مستويات قياسية جديدة، بالتزامن مع ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات. إن العودة المتهورة إلى العمل في مايو المنصرم، قبل إنجاز السيطرة الفعالة على انتشار الفايروس، قد أملتها بالكامل حاجة نخبة تحالف المال والشركات لاستئناف استغلال الطبقة العاملة منفلت العقال بهدف توليد أرباح.

5. الوضع حرج. لقد خرجت الجائحة عن السيطرة. وقد بلغ عدد الإصابات في العالم حتى منتصف يوليو إلى أكثر من 13 مليون، وقارب عدد الوفيات سبعمئة الف حالة، ووصلت الحالات الجديدة إلى ارتفاع قياسي، ويتسارع انتشار الفايروس عبر أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط وفي جنوب آسيا.

6. ويقع مركز الجائحة في الولايات المتحدة حيث أصيب أكثر من 4.5 مليون، أي أكثر من واحد بالمئة من شعب البلاد. وتجاوز عدد الحالات الجديدة سبعين ألفاً في اليوم. وتجاوز الأمر استطاعة المستشفيات في فلوريدا، وتكساس، وأريزونا، وتفتقر الممرضات إلى معدات الوقاية. ومع نهاية الصيف سيكون عدد الوفيات  بين 250-350 ألف أي أكثر من ضعف خسائر الولايات المتحدة في معارك الحرب العالمية الأولى، وفيتنام وكوريا مجتمعة.

7. وترافق انتشار الجائحة باشتداد الأزمة الاجتماعية. حيث أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أن هناك، على مستوى العالم، 256 مليون شخصاً إضافياً مهددين بالموت جوعاً بسبب الجائحة. ووتوقعت منظمة العمل الدولية خسائر دخل العمال بما يقارب 3.4 تريلليون$. أما في الولايات المتحدة فما يزال هناك عشرات ملايين  شخص بلا عمل على الرغم من انتهاء إجراءات الإغلاق، كما تم إغلاق مئة ألف من النشاطات التجارية الصغيرة بشكل نهائي.

8. إن استجابة الولايات المتحدة للجائحة بطريقة تفتقر إلى الكفاءة والتنظيم والإنسانية إلى حد كارثي لم يفضح عدم كفاءة إدارة ترامب وطابعها الإجرامي وحسب، بل فضح أيضاً الإفلاس السياسي والأخلاقي للرأسمالية الأمريكية ولنخبتها الحاكمة التي تشكل  شراستها تحت تأثير النمو الإجرامي بعيد المدى والحقيقي "لنظام كامل من النصب والغش من خلال الترويج المؤسسي وإصدار الأسهم والمضاربة على الأسهم. " وعلى هذا الأساس، وعلى نطاق لم يتخيله ماركس إلا بصعوبة ، اتبعت الطبقة الحاكمة خلال الأربعين سنة الأخيرة، سياسة إعادة توزيع الثروة من الطبقة العاملة إلى الأثرياء.

9. إن التضخم الهائل لسوق الأسهم من خلال المضاربة وإضفاء سمة مالية على الإنتاج ولد مستويات غير مسبوقة من لامساواة اجتماعية، حيث يمتلك ثلاثة أفراد ثروة تزيد عما يمتلكه نصف الشعب. 

10. كم سيستغرق الأمر من الوقت حتى تتم السيطرة على الجائحة؟ هذا سؤال طرحه مليارات البشر. كان الرد المعتاد أن الجائحة ستستمر حتى تطوير لقاحاً فعالاً. هذه الإجابة القدرية مبنية على افتراض أن أزمة الفايروس التاجي هي حصرياً تقريباً مسألة طبية. وما تبقى هي الأبعاد الاجتماعية والسياسية للنضال ضد الجائحة. وكما كانت انتفاضة الطبقة العاملة ضرورية لوضع حد للحرب العالمية الأولى فإن التدخل الواعي طبقياً من قبل الطبقة العاملة، في النضال ضد الرأسمالية، هو ضروري لخلق شروط استجابة اجتماعية فعالة للداء. وحتى لو تم تطوير لقاحاً خلال المستقبل القريب، وحتى وإن وفر مناعة طويلة الأجل، وهذا ليس مضموناً، فإن توزيعه سيكون خاضعاً للمصالح الربحية للشركات وللصراعات الجيو- استراتيجية بين القوى الرأسمالية الكبرى. ناهيك عن أن احتواء الجائحة لن يحمل حلاً للأزمة الاجتماعية والاقتصادية. وكما كان الحال في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فإن الجائحة ستترك ندوباً عميقة وسيكون لها تداعيات طويلة المدى. ولن يكون هناك عودة إلى الشروط التي سادت قبل اندلاع الجائحة، بغض النظر عن مدى سوء حالهم بالفعل،. ستتطور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على أساس الظروف التي أوجدها الوباء. كما أن نطاق وشدة الصراع الطبقي سيشهدان تصاعداً ولن يخفتا.

11. من خلال تبرير إعادة افتتاح الاقتصاد بشكل طائش، أعلنت وسائل الإعلام الرأسمالية: "أن العلاج ( أي الإغلاق) يجب ألا يكون أسوأ من الداء."لكن الجائحة هي في واقع الأمر عرض والمرض هو الرأسمالية،والعلاج الضروري هو الصراع الطبقي الدولي، أما الدواء الشافي فهو الاشتراكية. 

12. ولفهم الوضع الحالي ورسم مسار للمستقبل من الضروري مراجعة كيف تطورت الأزمة في الولايات المتحدة، البلد الذي صار مركز الجائحة على المستوى العالمي. 

ديسمبر 2019- 27 مارس 2020: اندلاع الجائحة،حجب المعلومات، وإنقاذ النخبة المالية والشركات

13. بدأت المرحلة الأولى مع بدء انتشار الفايروس في الصين، في ديسمبر 2019، وانتقاله دولياً إلى شمال أمريكا عبر أوروبا، واستمرت حتى 27 مارس، حين وقّع الرئيس دونالد ترامب ما سٌمي بخطة الإنقاذ. وانغمست إدارة ترامب وقادة الكونغرس من الحزبين الرأسماليين، خلال تلك الشهور الحاسمة، في العمل وفق تعليمات النخبة المالية والشركات، من خلال تبني قرارات كارثية اجتماعياً بإعطاء إنقاذ البنوك والشركات الكبرى ومستثمري وول ستريت الأقوياءالأولوية على منع انتشار الجائحة وإنقاذ الحياة.

14. وفي بداية يناير 2020، وجد خبراء الوبائيات المدربون في منظمة الصحة العالمية وفي مراكز السيطرة على الوباء أن الفايروس التاجي لديه قدرة كامنة على التطور إلى كارثة صحية كبرى على مستوى العالم. إن التجارب السابقة مع انتشار أنفلونزا الخنازير وداء إيبولا زوّد المجتمع الطبي ببيانات تركت القليل من الشك حول تداعيات أي جائحة. فمنذ وقت مبكر في عام 2005 حذرت أخصائية الوبائيات لاوري غاريت، في مقال نشر في مجلة الشؤون الخارجية، من المخاطر التي طرحها فايروس أنفلونزا الطيور H5N1:

إن تمكن الفايروس المتطور بلا هوادة من نقل العدوى بين البشر، وإن هو طور قوة عدوى التي تتصف بها إنفلونزا البشر، وحافظ على فوعته غير العادية، فمن الوارد أن تواجه البشرية جائحة لا تشبه أياً من الجائحات التي شهدناها.

عرضت غاريت وصفاً تقشعرً له الأبدان للتداعيات على مستوى الولايات المتحدة والعالم لجائحة تنتقل فيها العدوى بين البشر. وكتبت  " يمكن أن تواجه الولايات المتحدة 16 مليون حالة موت وخسائراً اقتصادية لا يمكن تخيلها."  وتابعت غاريت:

يمكن للعالم بأسره مواجهة مستويات مشابهة من مذبحة فايروسية، كما أن المناطق التي اجتاحها فايروس إتش.آي .في وتضم ملايين من أفراد ضعيفي المناعة يمكن أن تشهد حالات وفيات أشد. وستقوم بعض البلدان بالاستجابة من خلال فرض حالة حجر غير نافعة ومثيرة للاضطرابات، أو أن تغلق حدودها ومطاراتها ربما على مدى شهور. إن مثل هذا الإغلاق سيعيق التجارة، والسفر والإنتاجية.  وما من شك أن أسواق الأسهم سوف تتارجح ويمكن أن تنهار. 

15. من الجلي أن حكومة الولايات المتحدة، ووكالاتها التي تعمل على جمع المعلومات الاستخباراتية فهمت منذ الأيام الأولى من 2020، بل من المرجح أنها أدركت منذ النصف الثاني من ديسمبر، أن العالم على عتبة انفجار كارثة في مجال الرعاية الصحية. وبغض النظر عن التوقيت الدقيق لجمع المعلومات من قبل  حكومة الولايات المتحدة، لكن التقارير حول الخطر بدأت بالانتشار ضمن الصحافة العالمية خلال شهر يناير. وطرح موقع الاشتراكية العالمية أول تقرير مفصل حول الفايروس التاجي في 24 يناير 2020، وبعد ذلك بأربعة ايام فقط شرح موقع الاشتراكية العالمية:

في حين واظبت حكومات العالم، لا سيما في الولايات المتحدة، خلال ربع قرن منصرم، على إعداد خطط متقنة لشن حروب واسعة النطاق، لكن لم يتم تخصيص مثل تلك الموارد أو إعداد خطط لمجابهة الجائحات السريعة التي اجتاحت العالم خلال الفترة ذاتها.

16. وعلى الرغم من الخطر الصحي الشديد الذي  شكله اتشار الجائحة، لكن الطبقة الحاكمة كانت مركزة بشكل كامل على التداعيات الاقتصادية للجائحة، أي على كيفية تأثيرالجائحة على سوق الأسهم وعلى الثروات الشخصية لأكبر أثرياء فئة من الواحد إلى الخمسة بالمئة من المجتمع. إن الأوليغارشية الرأسالية خافت، قبل كل شيء، من أن تؤدي معرفة الناس الواضحة بالخطر إلى حالة رعب مالي، تدفع الاسواق "إلى التأرجح  وربما إلى الانهيار بشكل سريع".

17. ولم تكن تلك المخاوف بدون أساس، حيث استجاب صندوق التحوط الفيدرالي للانهيار المالي التاريخي في 2008-2009 بإغراق بنوك وول سستريت وشركات الاستثمار بمئات مليارات الدولارات. إن أزمة 2008- 2009 كانت في حد ذاتها نتيجة انحلال الرأسمالية طويل الأمد وجدت أبزر تعبيراً عنها في العملية المعروفة بإضفاء طابع مالي، أي الفصل الذي يتعاظم حتى الحدود القصوى بين مراكمة الثروات من قبل الشركات والنخبة المالية وبين عملية الإنتاج. إن عملية الإنقاذ غير المسبوقة التي عٌرفت تحت اسم " تسهيلات كمية" زودت النخبة المالية والشركات بقروض منخفضة الفائدة للغاية أو أموال مجانية تم استخدامها في تنظيم عملية " إعادة شراء الحصص" التي أدت إلى تضخم قيمة الأسهم وغيرها من حزم المضاربة.

18. وحتى قبل اندلاع الجائحة، كان قد اتضح بشكل متصاعد أن اقتصاد الولايات المتحدة المتحدة والعالم يئن تحت جبال من القروض ( رأسمال وهمي)، تجاوز حجمها إلى حد كبير إنتاجية الاقتصاد الحقيقي وقدرته على توليد أرباح. وقد هدد انتشار الجائحة بانهيار اقتصادي يمكن أن يقطع تدفق العائدات المطلوبة لخدمة مستويات القروض المرتفعة. وكما شرح بنك التسويات الدولية في تقرير صدر في أبريل 2020: 

فرضت صدمة الفايروس التاجي ضغوطاً هائلة على المخازين النقدية للشركات.  وأظهرت الحسابات المالية للشركات لعام 2019 أن 50٪ من الشركات  لا تمتلك ما يكفي من السيولة لتغطية نفقات الخدمات في العام القادم.

19. وتابع التقرير: 

لم يسبق لأي ركود في الزمن المعاصر التسبب بمثل هذه الأضرار التي سببتها صدمة الفايروس التاجي على قطاع الشركات. وتواجه الشركات الآن تراجعاً كبيراً غير مسبوق في العائدات بسبب إغلاق الاقتصاد على المستوى الوطني الذي فرضته من أجل حماية الصحة العامة. إن قابلية الشركات لتجاوز هذه الظروف الاستثنائية سيحدد إن كان الفايروس التاجي سيترك ندوباً على النشاط الاقتصادي من خلال انتشار حالات إفلاس الشركات.

20. في هذا الوضع، كانت مصالح نخبة المال والشركات غير متوافقة مع كل إجراءات الصحة العامة التي كانت ستفرض قيوداً على تدفق المداخيل  بل وكانت معادية لها. وفي حين تم إعداد خطة لإنقاذ نخبة المال والشركات، خلف الستارة في الفترة ما بين يناير ومارس، واظبت إدارة ترامب على الادعاء أن الجائحة ستختفي بطريقة إعجازية، ولن يكون لها سوى وقع محدود على الحياة. ورفضت حكومات الولايات والحكومة الفيدرالية، تحت قيادة كل من الديمقراطيين والجمهوريين، القيام بأي فعل لإغلاق مؤسسات الإنتاج غير الجوهري.

21. في الثامن والعشرين من فبراير نشرت اللجنة الدولية للأممية الرابع تصريحاً دعا إلى  "استجابة طارئة منسقة عالميا" للجائحة. (اقترب عدد الحالات وقتها من مئة ألف لنقارنها بعدد الإصابات اليوم الذي تجاوز 12 مليون)، حذرت اللجنة الدولية للأممية الرابعة من" خطر لا يمكن تجاهله" ودعا التصريح لتحشيد عالمي للعلماء بهدف تطوير إجراءات مضادة لاحتواء الجائحة،ولمكافحة الفايروس والتخلص منه لاحقاً؛ ودعا إلى تخصيص موارداً كبيرة للرعاية الصحية والعلاج؛ وإعادة توزيع الثروة لدعم كل من عانوا من الفايروس.

22 . عرًف موقع الاشتراكية العالمية تقاعس الحكومات بوصفه" إهمالاً خبيثاً". إن سلوك اللامبالاة من طرف الحكومات تجاه الفيروس كان مشروطاً  بمخاوفها بشأن آثاره  على الأسواق. وكانت الطبقة الحاكمة واعية تماماً أن التداعيات الاقتصادية على الأعمال ستتطلب خطة إنقاذ تتجاوز ما قدمته إثر أزمة 2008.

23. وبدلاً من اتخاذ إجراءات لإيقاف الفايروس وإنقاذ الحياة، استخدمت الطبقة الحاكمة شهري فبراير ومارس لإعداد وتطبيق خطة إنقاذ وول ستريت بعدد من تريليونات الدولارات. إن حجم التدخل شهد على الطبيعة اليائسة للوضع الاقتصادي، فبين 19 فبراير و 23 مارس، بعد أن صار من المستحيل إخفاء خطر الجائحة عن الجمهور، فقد مؤشر S&P 500  ثلث قيمته.

24. وبالتعارض مع سياسة" الإهمال الخبيث" التي اتبعتها الطبقة الحاكمة، بدأت الطبقة العاملة بالعمل على حماية نفسها من الجائحة حيث تم تنظيم إضرابات وعمليات احتجاجية من قبل عمال إنستاكارت، أمازون، وهول فودز. كما بادر عمال صناعة السيارات في الولايات المتحدة وفي كندا إلى شن سلسلة من إضرابات عشوائية ، تزامنت مع موجة من الإضرابات والاحتجاجات في أوروبا. إن المقالات والتصريحات التي نٌشرت على موقع الاشتراكية العالمية وكذلك تصريحات حزب المساواة الاشتراكية، بما في ذلك بيان الرابع عشر من آذار،" أغلقوا صناعة السيارات لإيقاف  انتشار الفايروس التاجي!" قد حظيت بالقراءة والمشاركة من قبل عشرات آلاف العمال. وتحت ضغط الطبقة العاملة ومع قانون الإنقاذ الذي كان طور الإعداد، اضطرت الحكومة الفيدرالية والحكومات المحلية للموافقة على إغلاق الاقتصاد.

25. في أواخر شهر مارس، مرر الكونغرس بتصويت قارب الإجماع، خطة الإنقاذ، التي قدمت مئات مليارات الدولارات إلى الشركات، وخصصت العديد من تريليونات الدولارات من قبل صندوق التحوط الفدرالي لإنقاذ وول ستريت. وخلال أسابيع ارتفعت الميزانية العامة لصندوق التحوط الفيدرالي من 4 تريليون دولار إلى أكثر من 7 تريليون$ بعد أن اشترى أصول وديون البنوك والشركات الكبرى.

26. أدى تمرير خطة الإنقاذ إلى وضع حد للمرحلة الأولى من الأزمة. وفي رسالة مؤرخة في 28 مارس موجهة إلىى نيك بيمز، العضو القيادي في حزب المساواة الاشتراكية في أستراليا،  قيم الرئيس الوطني لحزب المساواة الاشتراكية في الولايات المتحدة دافيد نورث، أحداث الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020  ضمن سياق الأزمة التاريخية للنظام الرأسمالي:

من غير المفاجىء أن الإعلام البورجوازي عزا، بشكل كامل، الهبوط الشديد في الأسواق العالمية إلى الجائحة. لكن هذا غير كاف حيث أنه قبل أن يبدأ الفايروس التاجي بالانتشار، بدا بجلاء أن الارتفاع الشرس في قيمة الأسهم اكتسى سمة خبيثة، تغذى من التمويل اللامحدود للتسهيلات الكمية  ، ومن السابقة التاريخية المتمثلة في إلغاء معدلات الفائدة من قبل  صندوق التحوط الفيدرالي والبنوك المركزية في أوروبا. بل ظهرت وقتها ظاهرة معدل الفائدة السالب. إن الحجم الهائل للرأسمال الوهمي جعل من الممكن استخدام الطبقة الحاكمة مختلف الحيل لرفع قيمة الأسهم ( مثل إعادة شراء الحصص) ولإثراء ذاتها.

كانت الميزة الأكثر جذباً للانتباه في عمليات البيع المكثفة في الأسابيع الثلاثة الأخيرة هي سرعتها المذهلة ( على الرغم من الأيام الثلاث التي شهدت انتعاشاً مفاجئاً). تم اقتطاع تريليونات الدولارات خلال أيام، وهذا أسرع هبوط في التاريخ الحديث، وقد تحددت سرعة الانهيار بواقع السمة غير الواقعية للارتفاع السحري السابق لقيمة الأسهم. وهذا ما دفع إلى المطالبات الهستيرية بخطة إنقاذ تكلف العديد من تريليونات الدولارات. إن إقرار خطة الإنقاذ ، مع تخصيص القليل من الفتات لتأخير الانفجار الاجتماعي لبضعة أشهر ، هو استمرار ، على نطاق جديد وأكثر ضخامة، لإنشاء رأس المال الافتراضي ، أي فصل القيمة عن الإنتاج. عرفت البورجوازية جيدا أن مخطط  بونزي الاقتصادي العملاق لن يصمد طويلاً.  ولهذا السبب صارت الجائحة مشكلة حقيقية.  إن رفع مستويات الديون في ظل نمو الإنتاج شيء، في حين أن رفعها في وسط تراجع الإنتاج على مستوى العالم شيء آخر, لا يمكن إخفاء التفاوت بين توسع الديون والانخفاض الهائل في توليد القيمة من خلال سيرورة العمل ( بكل الأشكال التي تتظاهر بها) وهذا سبب ارتفاع مطالبات ترامب والأوليغارشية الرأسمالية بالعودة المستعجلة إلى العمل. وهذا ما دفع ترامب وأفراد الطمة المالية إلى المطالبة بـ" ألا  يكون العلاج من المرض أسوأ من الداء". 

ونحن نقترب من مرحلة حرجة في الأزمة التاريخية للرأسمالية. إن الطبقة الحاكمة التي تواجه الإفلاس نتيجة الانهيار الذي ولدته الجائحة تطالب دولتها بوضع كل تريليونات الدولارات تحت تصرفها لدرء الإفلاس. وهي تحضر في الوقت ذاته لاستخدام الدولة ذاتها، لشن هجمة لا تعرف الرحمة ضد الطبقة العاملة فور إنجاز التحضيرات السياسية واللوجستيكية اللازمة.

27 مارس- 31 مايو 2020: حملة العودة إلى العمل والاحتجاجات ضد عنف الشرطة

27. وسرعان ما أكدت الأحداث هذا التحليل. فما أن بدأ تطبيق خطة الإنقاذ، حتى انصرف تركيز الطبقة الحاكمة إلى استئناف الإنتاج الاقتصادي بهدف إجبار الطبقة العاملة على دفع تكاليف خطة الإنقاذ وتمويل المستويات المذهلة من رأس المال الوهمي الذي ولده صندوق التحوط الفيدرالي.

28 . جاء إطلاق حملة إنهاء الإغلاق والعودة السريعة إلى العمل من قبل صحيفة نيويورك تايمز، الصوت الإعلامي الرئيسي للشركات القوية والمصالح المالية المرتبطة بالحزب الديمقراطي. وفي 22 مارس، مع اقتراب إقرار الكونغرس لقانون كيرز، كتب توماس فريدمان عموداً تحت عنوان" خطة لاستئناف أمريكا العمل." ادعى فريدمان أن الولايات المتحدة" تعثرت" ووقعت في حالة إغلاق. وكتب فريدمان معطياُ إشارة لحملة ضخمة ضد الإغلاق: 

إنما مع إغلاق كل هذا الكم من أعمالنا وبدء الاستغناء عن مليون شخص، بدا بعض الخبراء بالتساؤل: "انتظر دقيقة! ما الذي نفعله بأنفسنا؟ وباقتصادنا؟ وبالجيل القادم؟ هل هذا العلاج، وإن لم يستمر إلا لفترة قصيرة، أسوأ من الداء؟

29. أشار فريدمان بسخرية إلى " نصيحة علماء الوبائيات الجادين" بوصفهم  " يفكرون وفق نوذجاَ موحداَ" وبدأ الترويج لبرنامج مناعة القطيع، " أن يقتصر العزل على أولئك الذين من المرجح أن يٌقتلوا بعدوى الفايروس التاجي أو ممن سيعانون لفترة طويلة... في حين يتم التعامل مع باقي المجتمع  بشكل أساسي كما اعتدنا على التعامل مع المخاطر المعتادة مثل الرشح." روج فريدمان بطريقة غير مسؤولة لهراء مناقض للعلم وقلل من مخاطر الجائحة من خلال إعلانه:"كما هو الحال مع الرشح، ستتعافى الأغلبية الكبرى خلال أيام، وسيحتاج عدد صغير إلى علاج في المستشفى، وستموت نسبة صغيرة جدًا من الفئات الأكثر ضعفًا بشكل مأساوي." ومنذ أن كتب فريدمان تلك الكلمات تجاوز عدد أفراد " النسبة المئوية الضئيلة" 130 ألف وفاة في الولايات المتحدة.

30. ورددت كل وسائل الإعلام صدى الخط " الليبرالي" للنيويورك تايمز حيث أعلنت صحيفة وولستريت جورنال:" يبدو ان الحشد الذي يطالب بالاستمرار في إغلاق الاقتصاد إلى أن يتم صنع لقاح، أو ترياق سحري، أو فحص كل شخص يومياً يظن أن الحكومة قادرة على الحلول محل الاقتصاد الخاص...الفايروس سيبقى معنا حتى نجد لقاحاً، لذا يجب أن نتعلم العيش معه وأن يكون لدينا اقتصاد يعمل.

31. تصادف أعادة فتح الاقتصاد قسراً وتم تبريره به بهجوم إدارة ترامب على منظمة الصحة العالمية وعلى مراكز التحكم بالأوبئة  وعلى علم الجائحة نفسه.  إن ترويج ترامب المنمق والجاهل لعقاقير لم تٌختبر مثل هيدروكسيكلوريكين، و رمديسايفر، بلغ مستويات مرعبة لما  اقترح في الرابع والعشرين من أبريل على الناس حقن أنفسهم بالمبيضات وإدخال أشعة فوق نفسجية في أجسادهم. كما أن تصريحه بأنه إن لم يتم إجراء الاختبارات فلن نجد حالات عدوى، وهذا موقف ينسجم مع فكرة مناعة القطيع، الذي يتضمن موقف "دع الأمور تسيرعلى عواهنها". ..."تم بخس شأن تحذيرات علماء الوبائيات، وعلماء الفايروسات، والجسم الطبي من النتائج القاسية لتخفيف القيود قبل الأوان والاستهزاء بها. ما من شيء كان قادراً على منع دفع العمال إلى العودة إلى المعامل، والمدارس، ومواقع العمل.

32. إن الضغط المستمر لإعادة فتح الاقتصاد، والافتقار الكبير للمعدات الطبية أو لاستراتيجة طبية متماسكة، وانعدام كفاءة الإجراءات الحكومية، و عدم الاهتمام الفظ بصحة وسلامة قوة العمل من قبل الشركات الكبرى، سرعان ما تٌرجم إلى انفجار في حالات العدوى والوفيات. وأدت الإجراءات الإقتصادية التي طبقتها الحكومة إلى رفع مستويات البطالة إلى حد لم نره منذ الكساد العظيم في العقد الثالث من القرن العشرين. وصار ملايين العمال معتمدين على خطوط توزيع الطعام. كما تم حرمان مئات آلاف النشاطات التجارية الصغيرة من الدعم المالي التي وعدت به.

33. أما في ما يخص الأثرياء، فإن الجائحة كانت نعمة مالية حيث أطلق تمرير قانون كيرز أسرع تعافي لأسعار الأسهم في التاريخ وأكثرها درامية. فبين شهري مارس ومايو،ارتفع مؤشر السوق الرئيسي بنسبة 30%. وقد ناقشت مجلة الإكونوميست الهوة بين وول ستريت والشارع العام وشرحت بصراحة لا تعرف الخجل:

يعود جزء كبير من تحسن المزاج إلى صندوق التحوط الفيدرالي الذي تصرف بشكل أكثر درامية من البنوك المركزية الأخرى، واشترى أصولاً على مستوى يفوق التصور، والتزم بشراء المزيد من ديون الشركات، بما في ذلك السندات غير المرغوب بها مرتفعة العوائد، كما تم، بطريقة مذهلة. إعادة افتتاح سوق إصدار سندات جديدة للشركات بعد أن تم تجميده في شهر فبراير بطريقة مذهلة. وأصدرت الشركات سندات بقيمة 560 بليون $ خلال الأسابيع الستة الأخيرة، وهذا يمثل ضعف المستوى العادي. بل أنه حتى شركات الرحلات البحرية تمكنت من رفع وارداتها من المال وإن كان ذلك بثمن مرتفع. كما تم إحباط سلسلة من حالات إفلاس شركات كبرى، و في الواقع ، قام البنك المركزي بدعم تدفق أموال إلى الشركات الأمريكية والتقط سوق الأسهم الإشارة وارتفع. 

34. وعلى امتداد شهري مارس وابريل، حذر موقع الاشتراكية العالمية وحزب المساواة الاشتراكية، في عشرات المقالات والبيانات، مراراً وتكراراً من التداعيات الكارثية لحملة الطبقة الحاكمة لفرض العودة إلى العمل. وفي 24 مارس، ورداً على العمود الذي كتبه فريدمان، أطلق الموقع على سياسة النخبة الحاكمة تسمية " قتل رحيم اجتماعي متعمد...في مواجهة أضخم أزمات الرأسمالية الأمريكية، كشفت الطبقة الحاكمة حقيقتها  لتظهر طبيعتها الإجرامية ناهيك عن طبيعتها الطفيلية". وفي 11 أبريل أصدر حزب المساواة الاشتراكية بياناً أعلن " أن الهدف الرئيسي لإدارة ترامب وللطبقة الأمريكية الحاكمة كلها هو " تطبيع" الجائحة، أي تكييف الشعب مع واقع أن عدداً كبيراً من الناس سيموتون في الزمن القريب... " وأنه يجب التعامل مع موت العمال بوصفه ضمن تكلفة ممارسة الأعمال التجارية ، وسيتم استبدال من سيسقطون ضحايا الوباء بآخرين".

35. وفي 18 أبريل لفت موقع الاشتراكية العالمية الانتباه إلى تعليقات في صحيقة نيويورك تايمز وفي الصحافة العالمية عارضت الاهتمام المبالغ به بحماية حياة البشر.وأعلن تعليق ظهر في مجلة " نيوزورخر تزايتونغ" السويسرية أن إجراءات وقف الجائحة تعني اختيار " الانتحار الاقتصادي بهدف تحاشي رحيل بعض العجائز بشكل مبكر بضع سنوات"، في حين طرحت مجلة ديرشبيغل الألمانية أن إيقاف الجائحة ينتهك مبدأ "أنه لا يمكن تصور الحياة بلا موت".  وقال موقع الاشتراكية العالمية أن هذه الحجج هي حجج يمكن أن يوافق عليها بسهولة الزعيم النازي ، أدولف هتلر ، الذي انتحر في مسكنه المحصن قبل 75 عامًا هذا الشهر".

36. ولدت استجابة الطبقة الحاكمة للجائحة نمواً كبيراً في التوترات الاجتماعية وفي الصراع الطبقي. وكانت سلسلة من ممارسات عنيفة للشرطة هي التي حفزت اندلاع مظاهرات جماهيرية. ففي الثالث عشر من مارس، قتلت الشرطة بريونا تايلور في مدينة لويزفيل في ولاية كنتاكي بعد اقتحام بيتها أثناء نومها. وفي بداية مايو نٌشرت سلسلة من اللقطات حول مصرع أحمد أربيري في 25 فبراير،  في برانسويك في ولاية جورجيا من من قبل  ضابط شرطة سابق ومحقق عام وابنه. بعدها، في 25 مايو، شارك أربع ضباط شرطة في قتل جورج فلويد بطريقة شنيعة في مينابوليس في ولاية مينيسوتا، وتم التقاط المشهد المرعب بالهواتف الخليوية وتابع الصور ملايين البشر.

37. أشعل مقتل فلويد مظاهرات متعددة الأعراق ومتعددة الإثنيات في كل مدينة كبرى في الولايات المتحدة، بما في ذلك الولايات المحافظة تقليدياً في أقصى الجنوب، وفي بلدان في مختلف القارات. فبعد عقود من قمع الاحتجاج الاجتماعي والصراع الطبقي، بتواطؤ نشط من قبل نقابات العمال، خرج الغضب والسخط إلى العلن. وفي حين حرض عنف الشرطة الاحتجاجات، لكن أسبابها الكامنة كانت نتيجة الغضب من التدهور المطول  والشديد في مستويات الحياة ومستويات الديون شديدة الوطأة المفروضة على الشباب وقتامة آفاق مستقبلهم، واللامساواة المنتشرة وتداعياتها، والتضييق على الحريات الديمقراطية، واستحالة حدوث تبديل ملموس في الظروف الاجتماعية وتحسينها ضمن إطار البٌنى السياسسية القائمة ضمن نظام الحزبين السياسيين.

38. رحب حزب المساواة الاشتراكية بهذه الاحتجاجات وساندها. وفي 30 مايو، شرح حزب المساواة الاشتراكية "طبيعة هذه المظاهرات، التي وقعت وسط الجائحة على الرغم مما يتضمنه هذا من المخاطر الجسيمة، هي تعبير قوي وملهم عن التزام راسخ الجذور بالدفاع عن الحقوق الديمقراطية، وعن بغض الشرطة الفاشية وإدارة ترامب، وعن التزام عميق بوحدة كل فئات الطبقة العاملة." لقد أثبتت هذه المظاهرات صحة تحليل حزب المساواة الاشتراكية بأنه من الممكن بروز بديل أصيل عن إدارة ترامب على قاعدة حركة جماهيرية من الأسفل، وليس من انقلاب قصر، يحرك من الأعلى من قبل الحزب الديمقراطي، بالتحالف مع فئات من العسكر ومن وكالات الاستخبارات الناقمين على تعامل ترامب مع العلاقات مع روسيا والصين. ففي بيان نٌشر في عام 2017، تنبأ موقع الاشتراكية العالمية  بأن: 

النضالات الجماهيرية صارت على الأجندة في الولايات المتحدة. تجمعات احتجاجية، ومظاهرات، وإضرابات ستسعى لأن تتصف بسمة وطنية عامة. إن الاستنتاج السياسي الذي ينبع من هذا التحليل هو أن نضال الطبقة العاملة ضد ترامب وكل ما يمثله سيبرز مدى إلحاح ضرورة حركة جماهيرية سياسية مستقلة ومعارضة لكل من الجمهوريين والديمقراطيين، ومناهضة للنظام الرأسمالي ولدولته.

39. إن إدارة ترامب مسؤولة مباشرة عن كل من مقتل فلويد وعن قمع الشرطة للمتظاهرين بشكل عنيف. ففي أكتوبر الأخير نشر ترامب خطبة لاذعة ضد الاشتراكيين وضد " اليسار الراديكالي" في مينابوليس، محاطاً برجال شرطة لوحوا برايات كتب عليها" القانون& النظام صوت لترامب". إن ترامب شجع مراراً عنف الشرطة بوصفه جزءاً من جهوده لتطوير قاعدة فاشية يمينية لدعم سياسات الطغمة  المالية. وفي الأسابيع التي سبقت مقتل فلويد، رعى ترامب مظاهرات اليمين المتطرف "لتحرير" مينيسوتا، وميتشيغان،  و فرجينيا، وولايات أخرى من أي قيود تهدف إلى احتواء انتشار جائحة الفايروس التاجي. 

40. وفي جميع الأحوال فإن جذورعنف الشرطة، الذي كلف حياة أكثر من ألف شخص من العمال والشباب كل سنة، هي نتاج الحكم الطبقي. إن وباء عمليات القتل من قبل الشرطة استمر في ظل أوباما ووقع في ولايات ومدن في سائر أرجاء البلد، بغض النظر إن كانت تحت سيطرة الجمهوريين، أو الديمقراطيين، بما في ذلك  واقعة مينابوليس. في ظل ظروف الاضطراب الاجتماعي المتصاعد، سيتم استخدام الشرطة، التي تندمج بشكل متصاعد مع الجيش، بوصفها قوة للقمع العنيف.

41. ولهذا خلص حزب المساواة الاشتراكية إلى أنه لا يمكن معارضة عنف الشرطة إلا من خلال حشد الطبقة العاملة ضد الطبقة الحاكمة ودولتها. " إن النضال ضد فظاظة الشرطة يجب أن  يندمج بحركة الطبقة العاملة المتنامية ضد ظروف العمل غير الآمنة، وضد البطالة الضخمة وضد اللامساواة الاجتماعية وفقر الجماهير. إنه نضال ضد النظام الرأسمالي وفي سبيل الاشتراكية. 

42. وخلال تفسير الدلالة التاريخية للاحتجاجات ضد عنف الشرطة، خص حزب المساواة الاشتراكية السمة الدولية للمظاهرات باهتمام خاص بوصفها انعكاساً لواقع العولمة الاقتصادية وللتحولات الثورية في أشكال الإتصالات، والتداعيات الثورية التي أشارت إليها اللجنة الدولية للأممية الرابعة في وقت مبكر منذ 1988. ففي بيان نٌشر في 15 يونيو كتب حزب المساواة الاشتراكية: 

إن هذه الصيرورات المترابطة شددت من التعارضات الجوهرية بين نظام الدولة القومية المتحجر وواقع الاقتصاد المعولم. وعدا عن ذلك فإن سيرورة العولمة خلقت أساساً لحركة موحدة دولية للطبقة العاملة ضد الرأسمالية. إن إمكانية الوحدة الشاملة للطبقة العاملة ليست رؤية طوباوية، كما أن تحقيقها الملموس يبرز من شروط الإنتاج الرأسمالي الشامل القائمة فعلياً... 

1 يونيو- يوليو2020 : ا43.نقلاب ترامب وسياسات الحزب الديمقراطي العنصرية

43. تمثلت استجابة إدارة ترامب بمحاولة انقلابً رئاسي، والإلتفاف على الدستور، ونشر الجيش في كل البلاد. ففي الأول من يونيو عقد ترامب مؤتمراً صحفياً في حديقة الزهور في البيت الأبيض، أعلن فيه عن نيته اللجوء إلى قانون التمرد العائد إلى عام 1807 لتحديد معارضة عنف الشرطة بوصفه "إرهاباً داخلياً". وفي حين شنت الشرطة الفيدرالية هجوماً عنيفاً على المواطنين المتجمعين في احتجاج سلمي خارج البيت الأبيض، أعلن ترامب أنه رئيس " القانون والنظام."وقال ترامب : " إذا لم تتخذ المدن والولايات إجراءات يعدها البيت الأبيض عنيفة بما يكفي، فإنني سأنشر جيش الولايات المتحدة وسأحل المشكلة بسرعة لمصلحتها." 

44. إن تحركات ترامب للالتفاف على الدستور وقعت في وقت كان البيت الأبيض يدفع حملة العودة إلى العمل بشكل عدائي. قٌتل فلويد في يوم الذكرى الذي تم الترويج له كنقطة علام مفتاحية في إعادة فتح الاقتصاد. وكان ترامب دعا حكام الولايات  في كلمة قبل مؤتمر حديقة الزهور قال فيها " إنها حركة. وإن لم تجهضوها فإنها ستسوء وتسوء." وعليه فإن الأمر الذي بدأ بوصفه احتجاجاً على عنف الشرطة يمكن أن يتطور بسرعة إلى حركة أوسع للطبقة العاملة ضد الرأسمالية.

45. تنازل الديمقراطيون عن كل معارضة لمؤامرة ترامب لأعلى الشخصيات العسكرية وجنرالات متقاعدين ، ممن قلقوا  لفكرة أن مثل هذا الفعل يمكن أن يقود البلاد بسرعة باتجاه حرب أهلية. ولم يصدر أي شخص له وزن من الديمقراطيين تصريحاً يفضح التداعيات بعيدة المدى على الحريات الديمقراطية.

46. استجاب جو بايدن، المرشح المفترض للديمقراطيين ليكون رئيساً، من خلال الإشادة برؤساء الأركان الأربعة لتمردهم على ترامب وتمزيق جلده. وقال بايدن" إذا رفض ترامب ترك المكتب في حال هزيمته في انتخابات عام 2020، أعدكم بأنني كلي ثقة بأنهم ( الجيش) سيرافقونه من البيت الأبيض بسرعة كبيرة ". وكما كتب موقع الاشتراكية العالمية:

إن تعليق بايدن يجعل من الواضح أن الديمقراطيون يعدون الجيش الحكم الأخير في سياسيات الولايات المتحدة. لم يرفع الكونغرس ولا الحزب الديمقراطي إصبعاً ضد هذا التصريح الرئاسي حول الحكم الاستبدادي. لقد تراجع ترامب فقط بسبب معارضة من العسكريين الذين رأوا أن هذا العمل لم يتم الإعداد له بصورة جيدة وأنه حتى الان غير ضروري. 

47. كان حزب المساواة الاشتراكية الوحيد الذي نبه الطبقة العاملة من خطر أفعال ترامب في " دعوة إلى الطبقة العاملة! أوقفوا انقلاب ترامب"  نٌشرت في الرابع من يونيو وجاء فيها: 

إن الطبقة العاملة هي المستهدفة بمؤامرة البيت الأبيض. إن طغمة المال والشركات مرعوبة من أن يتقاطع  اندلاع المظاهرات الجماهيرية ضد عنف الشرطة مع السخط الاجتماعي الهائل بين صفوف العمال ضد اللامساواة الاجتماعية، والتي اشتدت بشكل ضخم نتيجة استجابة الطبقة الحاكمة لجائحة الفايروس التاجي ونتيجة الحملة الإجرامية لفرض  العودة إلى العمل. 

ليس هناك ما هو أخطر من التفكير أن الأزمة مرت، بل على العكس فهي بالكاد بدأت. ويجب على الطبقة العاملة التدخل في هذه الأزمة غير المسبوقة بوصفها قوة اجتماعية وسياسية مستقلة. وعليها التصدي لمؤامرة البيت الأبيض من خلال طٌرق صراع الطبقات والثورة الاشتراكية. 

48. تم تأكيد صحة هذه التحذيرات في شهر يوليو مع نشر إدارة ترامب لقوات شبه عسكرية فيدرالية في بورتلاند، مع تهديدات بنشر المزيد في مدن أخرى، في خرق صارخ للدستور وللحقوق المرتبطة به. قام أشخاص غير معروفي الهوية يحملون معدات عسكرية، ويعملون بأمر وزاة الأمن الوطني، باعتقال محتجين عزل من السلاح وزجهم في عربات لا تحمل لوحات لنقلهم إلى جهات مجهولة.

49. وفي رد على هذا الهجوم غير المسبوق،وقع عمدة كل من شيكاغو، واشنطن دي سي، أطلانطا، ومدينة كانساس على خطاب صاغه عمدة بورتلاند أعلنوا فيه " إن القرار الأحادي بنشر هذا النوع من القوى شبه العسكرية في مدننا متعارض تماماُ مع نظامنا الديمقراطي ومع قيمنا الأساسية".  وفي لقاء لمحطة فوكسنيوز الفاشية مع المعلق شين هانيتي في 23 يوليو، حذر ترامب  قائلاً" سندخل كل المدن، وأي واحدة من المدن". نحن جاهزون. وسنزج بخمسين ألف أو ستين ألف من أشخاص يعرفون تماماً ما يفعلونه. وهم أقوياء وأشداء. ونحن قادرون على حل هذه المشاكل بسرعة فائقة."

50.تتجلى التداعيات الديكتاتورية للجوء ترامب إلى استخدام القوات المسلحة ضد المعارضة السياسية  بوضوح خلال تهديداته بالبقاء في الرئاسة بغض النظر عن نتائج الانتخابات القادمة.

51. لم يكن ترامب الوحيد الذي الذي صٌدم لاحتجاجات الجماهيرية. إن فئات الطبقة الرأسمالية والفئات المرفهة من الطبقة الوسطى المرتبطة بالحزب الديمقراطي، وهي دوماً شديدة الحساسية ضد أي إشارة لنضال الطبقة العاملة وللنفوذ الاشتراكي، تدخلت لاختطاف المظاهرات و تضليلها لتأخذ خطاً عنصرياً واضحاً. وقد حذر حزب المساواة الاشتراكية معترضاً على هذا التوجه الرجعي:

هدف المتعصبين العنصريين هو تشتيت الانتباه عن واقع ان الشرطة هي أداة الرأسماليين. علاوة على ذلك ، فإن الجهود المبذولة لفرض سمة عنصرية على المظاهرات تتعارض مع خصائصها الواضحة متعددة الأعراق ومتعددة الطائفية  ومتعددة القومية. 

52. إن صحيفة نيويورك تايمز مصممة على تشتيت وجهة حركة الاحتجاج وعلى منع نمو الصراع الطبقي، وهي شددت حملتها، التي بدأتها في أغسطس 2019 من خلال غطلاق مشروع 1619 بهدف تشويه سمعة الثورة الأمريكية، والحرب الأهلية، وقادتهما الرئيسيين. إن ما بدأ بوصفه طلباً مشروعاً للتخلص من تماثيل قادة الكونفيدرالية تحول إلى فرصة لتشويه التماثيل التي خلدت ذكرى واشنطن، وجيفرسون، ولنكولن، وغرانت بل وحتى بعض أبرز دعاة إلغاء الرق.

53. ومن خلال معارضة حملة التخلص من تماثيل قادة الثورة الأمريكية والحرب الأهلية، شرح موقع الاشتراكية العالمية أنه في حين أن ترامب وجه ندائاته إلى العناصر الأكثر تشوشاً في المجتمع الأمريكي بطريقة سعت إلى إشعال عداوات عنصرية لكن الحزب الديمقراطي:

استخدم شكلاً مختلفاً من السياسات التقسيمية، من خلال تقييم وتفسير كل المشاكل الاجتماعية، والصراعات بتعابير عنصرية. وبغض النظر إن كانت المسألة يمكن أن تتعلق بالفقر، أو بفظاظة الشرطة، أو البطالة، أو الرواتب المنخفضة، أو الموت بسبب الجائحة، لكن يتم توصيفها، حصرياً، بتعابير عنصرية. ففي هذا العالم العنصري، يتمتع " البيض" بامتياز فطري يعفيهم من كل  مشقة. 

هذا التشويه البشع لواقع أيامنا الحالية يتطلب تشويهاً لا يقل بشاعة للماضي. فلكي يتم وصف أمريكا المعاصرة على أنها بلاد حرب عنصرية لا تعرف الرحمة، يكون من الضروري اختلاق سردية تاريخية تستخدم التعابير ذاتها. فبدلاً عن الصراع الطبقي، يتم تقديم تاريخ الولايات المتحدة بأسره بوصفه تاريخ صراع عنصري أبدي.  

54. العنصرية قائمة ويجري الترويج لها بين فئات رجعية في دوائر الشرطة ويتم استخدامها، كما هو الحال مع كل أشكال التعصب والتمييز، بوصفها أداة في يد الطبقة الحاكمة. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة غير منقسمة بين " أمريكيين بيض" و " أمريكيين سود" لهم مصالح مختلفة، كما أن ليس كل "الأمريكيين البيض" مستفيدين من عنف الشرطة والاضطهاد وفق إدعاءات رعاة السياسات العنصرية. 

55.على الرغم من الجهود لجعل العرق المحور المركزي في السياسات الأمريكية، وهو جهد شديد القرب من المطالبة الرجعية لفئات من البورجوازية ومن الفئة العليا من الطبقة الوسطى للأمريكيين الأفارقة " بتعويضات" لكن الواقع الاجتماعي المهيمن في الولايات المتحدة هو انعدام المساواة الاجتماعية، المتجذر في تقسيم المجتمع على أساس طبقي. وفي تمحيص جديد لتوزيع الثروة والدخل نفذه الاقتصاديون المرموقون توماس بيكيتي، وإمانويل سايز، وغابرييل زوكمان وجدوا:

تبايناً حاداً في النمو عاشه 50% من السكان ممن هم في القاع مقارنة بنمو بقية الاقتصاد. وأن متوسط دخل البالغين من هؤلاء الـ 50 % قبل اقتطاع الضرائب توقف منذ عام 1980 عند قرابة 16 الف $ للفرد البالغ ( وفق سعر الدولار الثابت في 2014، واستخدام معامل انكماش الدخل الوطني)  في حين نما متوسط دخل البالغين في عام 2014 بنسبة 60% ووصل إلى 64500 $. وعليه فإن دخل الـ 50% في القاع تراجع من نسبة 20% في عام 1980 إلى 12% (من الدخل الوطني). في حين ارتفع في الوقت ذاته متوسط دخل فئة الـ 1% في القمة من 420 ألف $ إلى ما يقارب 1.3 مليون $، وارتفعت حصتها من الدخل الوطني من 12% في السنوات الأولى من العقد الثامن في القرن العشرين إلى 20% عام 2014. أي أن المجموعتين تبادلتا حصتهما من الدخل، حيث اتتقلت ثمان نقاط من الدخل الوطني من الـ 50% في القاع إلى الـ1% في القمة. وصارت حصة الـ 1%  في القمة تعادل ضعف حصة الـ50 % في القاع، وهي مجموعة يبلغ عددها 50 ضعف المجموعة الثانية. في حين أنه في عام 1980 ربحت مجموعة الـ 1 في المئة في القمة ما يعادل 27 ضعف مما ربحته مجموعة الـ 50% قبل اقتطاع الضرائب أما اليوم فارتفعت النسبة إلى 81 ضعفاً.

ستة أشهر من الجائحة: النتائج والآفاق

56. بعد ستة أشهر على اكتشاف الفايروس التاجي- 19 للمرة الأولى، نجد أنه انتشر في سائر أرجاء الولايات المتحدة. إن ما قيل في وقت مبكر عن المخاطر الكامنة لانلاع موجة ثانية من الجائحة في الخريف تراجعت أمام واقع أنه لم يتم السيطرة على الموجة الأولى التي ما تزال تعيث فساداً في أرجاء البلاد. وحتى وسائل الإعلام المرئية صارت أكثر حذراً وتحفظاً في استخدام العبارات التي طالما سٌمعت في نيسان ومايو، مثل " بصيص الأمل" و " تدوير الزاوية"، و " النور في نهاية النفق". أشارت أحدث التقديرات الرسمية حول الوفيات إلى  أن 225 ألف أمريكي سيقضون نحبهم بالداء مع حلول شهر نوفمبر، وهذا رقم سيثبت على الأرجح أنه أقل من العدد الفعلي.

57. على الرغم من واقع أن الطغمة الحاكمة تٌخضع كل اعتبارات الصحة العامة لحماية مستثمري وول ستريت، ومع ذلك فقد اشتد اليأس من الوضع الاقتصادي. إن الارتفاع المذهل في أسعار الأسهم منذ تمرير قانون كيرز في مارس، كان ظاهرة تتعلق بالمضاربة وغير مرتبطة بأي تعاف للاقتصاد الحقيقي. لكن تم التعبير في الأوساط المالية عن القلق من أنه من غير الممكن أن يتم الاستمرار إلى الأبد في طباعة نقود صندوق التحوط الفيدرالي الرقمية، ومن أن فعالية الإجراءات تتراجع بشكل متصاعد.  وقد حذرت صحيفة فاينانشال تايمز مؤخراً من " حدود سلطة صندوق التحوط الفيدرالي ": 

لا شك أن الإجراءات التي طٌبقت في الربيع احدثت هزة إيجابية في الاقتصاد. لكن سيكون من الصعب إلى حد بعيد أن يتمكن صندوق التحوط الفيدرالي من توليد صدمة مماثلة في أي مهلة قريبة؛ فيمكننا الآن فقط اتخاذ إجراءات إضافية. ولن يستطيع صندوق التحوط الفيدرالي سد الثغرات في ميزانيات الشركات المتعثرة، ولا تعويض خسارة طلب المستهلكين أو تعويض الوظائف التي تم إلغاءها. بل وحتى الدعم المالي لن يستطيع سوى تأخير الألم لا إلغائه. 

ولكي نفهم هذا علينا معاينة وضع شركات الخطوط الجوية. ففي هذا الربيع تلقت شركات الطيران في الولايات المتحدة دعماً مالياً تعهدت مقابله بعدم خفض عدد موظفيها حتى الأول من أكتوبر. لكن خلال الاسبوعين الأخيرين أعلنت شركة دلتا عن إحالة 17 ألف موظف إلى تقاعد مبكر في حين أرسلت شركة يونايتد إخطارات بمنح إجازة لـ 45% من موظفيها في الولايات المتحدة.

58. هيمنت على النصف الأول من العام استجابة الطبقة الحاكمة للجائحة. في حين ستبرز استجابة الطبقة العاملة إلى المقدمة في النصف الثاني. أدت التداعيات المدمرة لسياسيات الطبقة الحاكمة إلى توجيه ضربة شديدة إلى شرعية النظام الرأسمالي. إن استجابة الشركات للانهيار الاقتصادي، من خلال صرف أعداد كبيرة من العاملين، وخفض الرواتب، والمطالبة بالمزيد من التضييق على مؤسسات الرعاية الطبية، والضمان الاجتماعي، وغيرها من البرامج الحيوية التي تعاني بالأصل من ضعف التمويل، سيواجه بمقاومة متصاعدة من قبل الطبقة العاملة. وستتصاعد المعارضة لتشمل مواقع العمل غير الآمنة وقرار إعادة افتتاح المدارس الذي سيسهل انتشار الفايروس التاجي. سيكون هناك مقاومة لعمليات الإخلاء وفرض الرهن العقاري، ولهذا يتوقع حزب المساواة الاشتراكية نمواً هائلاً في الصراع الطبقي، الذي سيتحول، بفضل تدخل الحزب، ليكتسي وعياً طبقياً سياسياً وسمة مناهضة الرأسمالية.

الإمبريالية وخطر الحرب

59. إن الطبقة الأمريكية الحاكمة تقر بالخطر المميت الذي يفرضه نمو النزعة النضالية الاجتماعية والوعي الطبقي السياسي بين صفوف الطبقة العاملة. وكا سبق لنا شرحه، فإنها مستعدة لاستخدام أي وسيلة تٌعد ضرورية للتصدي للخطر على حكمها، من استخدام السياسات العنصرية بهدف تقسيم الطبقة العاملة، وتكثيف إجراءات الدولة البوليسية لقمع المعارضة التقدمية وفي المقام الأول الاشتراكية ، وأخيراً التنصل من القواعد الدستورية واللجوء إلى ديكتاتورية علنية.

60. لكن هذه التكتيكات المحلية ستترافق بتصعيد هائل في النزعة العسكرية الإمبريالية. وكما هو الحال في كل مجالات الاقتصاد والسياسة الاجتماعية والسياسية، أدت الجائحة إلى تسريع استعدادات الإمبريالية الأمريكية للحرب. ففي بداية 2020، قبل اندلاع الجائحة في الولايات المتحدة، دعا موقع الاشتراكية العالمية إلى ضرورة الانتباه العاجل لتداعيات اغتيال إدارة ترامب للجنرال الإيراني قاسم سليماني في الثاني من يناير 2020: 

صحيح أن عام 2020 بالكاد بدأ، إنما مقتل الجنرال قاسم سليماني بأمر من الرئيس دونالد ترامب، يهدد بشدة باندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران، ستكون لها تداعيات لم يٌحسب حساباتها. إن تورط رئيس أمريكي باغتيال آخر موجه، وما تلاه من التباهي المتعطش للدماء، يدل على مدى استشراء التشويش الذي حل بكل النخبة الحاكمة.

61. وعلى الرغم من القرار التكتيكي بتأجيل المزيد من الضربات العسكرية ضد إيران، لكن موقع الاشتراكية العالمية حذر: " ما من شيء مما جرى في اليومين الأخيرين قد غير الأهداف العسكرية للولايات المتحدة. إن المقتضيات الجيوسياسية التي أدت إلى أزمة هذا الاسبوع ستقود إلى أزمات جديدة".

62. لم يكن هناك، في خضم الجائحة، أي توقف في سياسات الولايات المتحدة العدوانية. ففي شهر مايو دعمت إدارة ترامب محاولة انقلاب الفاشلة  في فينزويلا قام بها مرتزقة تحت قيادة الولايات المتحدة.  وقد حافظ وزير الخارجية بومبيو على جدول جولاته المكثف، ودعا إلى دعم التهديدات الأمريكية ضد روسيا وضد الصين المنافس الجيو- سياسي الأول. وسعت إدارة ترامب إلى توليد حملة عداء ضد الصين من خلال الإشارة المنتظمة إلى " فايروس ووهان"، حتى إلى حد الإدعاء، دون وجود أي قرينة، إلى الصين سعت إلى نشر العدوى بين صفوف الشعب الأمريكي.  وحظي هذا الادعاء الفظ بدعم صحيفة واشنطن بوست وبعض كبار معلقي الإعلام مثل فريد زكريا. ولم تتأخر عنها صحيفة نيويورك تايمز في الترويج للحرب من خلال تزوير تقرير حول قيام روسيا بدفع مالاً لمقاتلي طالبان ليقتلوا جنوداً أمريكيين في أفغانستان. 

63. وفي التحليل الأخير فإن التحضيرات للحرب من قبل الإمبريالية الأمريكية مرتبط بجهودها لمواجهة التحدي المتصاعد من قبل الصين من أجل الحفاظ على مكانتها باعتبارها القوة المهيمنة العالمية. إن التآكل المستمر منذ زمن طويل في قدرتها على التمسك بهيمنتها الاقتصادية الشاملة أجبر الولايات المتحدة على الاعتماد بشكل متصاعد على القوة العسكرية.  وقد اشتد هذا الميل تحت وطأة التأثيرات الاقتصادية والسياسسية لجائحة الفايروس التاجي. إن القرار الذي اتخذ في بداية يوليو بإرسال سربي طائرات حربية إلى بحر الصين الجنوبي يشهد على الطيش السائد في أعلى مستويات الحكومة الأمريكية.

64. يجب عدم الاستهانة بخطر الحرب. وثمة العديد من الأمثلة خلال القرن العشرين عن أنظمة مزقتها الأزمة، ونظام هتلر هو أبرزها، ولجأت إلى الحرب بوصفها حلاً لما تعده أزمة يائسة ضمن إطار الحدود الخاصة بالبلد. ويجب الإشارة بشكل خاص إلى أن هجمات إدارة ترامب العدائية على الصين مدفوعة إلى حد بعيد بالحاجة إلى توجيه التوترات الاجتماعية الهائلة داخل الولايات المتحدة إلى الخارج باتجاه عدو خارجي.

65. لا يقتصر الأمر على أن أزمة الرأسمالية العالمية المتسارعة تغذية حملة  الولايات المتحدة للحرب ضد الصين وروسيا. بل إنها تشدد الصراعات بين الولايات المتحدة وباقي القوى الإمبريالية الكبرى في أوروبا ولا سيما ألمانيا. وفي الوقت ذاته نجد أن الحروب الإمبريالية التي لا تنتهي وعمليات تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط وفي أمريكا اللاتينية خلقت أزمة لاجئين لا سابقة لها، حيث أجبر أكثر من 1% من البشر، أي 80 مليون شخصاً، على مغادرة موطنه، وكان للجائحة وقعاً كارثياً بشكل خاص على المهاجرين.

66. لا يوجد أي رد على هذا الخطر باستثناء تطوير حركة قوية مناهضة للحرب من قبل   الطبقة العاملة في أمريكا وفي العالم.

 مهام حزب المساواة الاشتراكية

67. يسترشد عمل الحزب بالقناعة التي لا تتزعزع بأن الطبقة العاملة هي القوة الثورية الأساسية والقائدة في المجتمع، وبأن الطبقة العاملة الأمريكية، بغض النظر عن التحديات الهائلة التي تواجهها في أقوى حصن للإمبريالية في العالم، سترتقي إلى مستوى مهامها التاريخية. 

68. مضى ربع قرن على تأسيس حزب المساواة الاشتراكية في يونيو 1995. وقبل ذلك عمل مشاركو فكر اللجنة الدولية للأممية الرابعة من الأمريكيين ضمن رابطة العمال( التي تأسست عام 1966). وكان الانتقال من الرابطة إلى الحزب الرد على انهيار ، في العقد الثامن وبداية العقد التاسع من القرن العشرين، كل ما الأحزاب والنقابات الجماهيرية القديمة التي هيمنت عليها النزعة القومية والبيروقراطية. إن التكتيك السابق الذي فرض المطالب على لمنظمات القديمة على أمل أن نمو الحزب الثوري سيكتسي شكل تحول راديكالي ضمن إطار تلك المنظمات أثبت فشله  نتيجة الصيرورات الموضوعية والأحداث.  

69. وقد رسم دافيد نورث الاستنتاجات السياسية الضرورية الناتجة عن الوضع المتغير، ودافع عن الانتقال منرابطة العمال إلى حزب المساواة الاشتراكية: 

إن كان هناك ضرورة لتوفر قيادة للطبقة العاملة، فيجب على حزبنا تولي هذا. وإن كان هناك طريقاً جديدةً يجب شقها أمام جماهير الناس العاملين، فيجب أن تٌدشن من قبل منظمتنا. لا يمكن حل مشكلة القيادة على أساس تكتيك ذكي. و لا نستطيع حل أزمة قيادة الطبقة العاملة من خلال" المطالبة" بأن يقوم آخرون بتوفير القيادة. وإن كان لا بد من حزب جديد فعلينا بنائه.

70. وكنتيجة لهذه المبادرة، التي نفذتها كل فروع اللجنة الدولية، كانت الأممية الرابعة قادرة على توسيع نفوذ الطبقة العاملة السياسي إلى حد بعيد. وكان إطلاق موقع الاشتراكية العالمية في فبراير 1998، الذي كان ضمن إطار تحويل الروابط إلى أحزاب، عاملاً حاسماً في تثبيت دور اللجنة الدولية للأممية الرابعة بوصفها الممثلة  الموثوقة للاشتراكية. فخلال ربع القرن الماضي تم، بشكل كامل، فضح الدور الرجعي لوكلاء الإمبريالية من البورجوازيين الصغار على سبيل المثال لا الحصر مثل حزب سيريزا في اليونان، ومثل حركة بوديموس في اسبانيا، والحزب اليساري في ألمانيا. أما حملة برني سانرز الرئاسية المٌجهضة، التي ذابت فيها المنظمة الاشتراكية الدولية وعدداً لا يٌحصى من  تيارات الطبقة الوسطى الأخرى، فلم تختلف عن تلك المنظمات الأخرى إلا لجهة الحجم الأميركي الضخم في حرارة براغماتيتها الجوفاء  وإفلاس برنامجها. وتستطيع اللجنة الدولية إعادة تأكيد كلمات تروتسكي في البرنامج التأسيسي للأممية الرابعة: " لا يوجد على هذا الكوكب خارج هذا الإطار  (اللجنة الدولية للأممية الر ابعة) تياراً ثورياً واحداَ جديراً فعلاً بهذا الاسم."

71. يجب على حزب المساواة الاشتراكية العمل على التداعيات الثورية للأزمة الحالية. فمعارضة سياسات الطبقة الحاكمة تنمو. حتى حين تحتدم  الجائحة تعصف خارج نطاق السيطرة، نجد أن إدارة ترامب، مدعومة من الحزب الديمقراطي، تطالب بإعادة فتح المدارس في الخريف، مخاطرة بحياة مئات آلاف المعلمين والتلاميذ. وسيتم إلغاء الدعم الفيدرالي للعاطلين عن العمل أو تقليصه مع نهاية هذا الشهر، حيث تسعى الطغمة المالية إلى استخدام الأزمة الاجتماعية التي تواجه ملايين البشر بوصفها طريقة للابتزاز الاقتصادي. 

72 - في تشرين الثاني / نوفمبر 2019، قبل اندلاع الوباء بوقت قصير، أجرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو خزانفكر رفيع المستوى، التقييم التالي للوضع العالمي:

حركات الاحتجاج الجماهيرية تعكر صفو السياسات في جميع أنحاء العالم ... المتظاهرون محبطون من الفساد الملحوظ وعدم المساواة الاقتصادية. غالبًا ما يكون المتظاهرون من الشباب الغاضبين والمدنيين وهم ليسوا معارضة منظمة تقترح إحلال حزبهم أو أيديولوجيتهم مكان ما هو قائم ولكنها حركة بلا قيادة تطالب بإسماع أصواتهم. في بعض الحالات تكون مطالب المحتجين واضحة وهي اكثر  غالبًا ما تكون مشوشة. في جميع المجالات ، يريد المتضررون تغيير الأنظمة التي تبدو قديمة أو معطلة أو غير مستجيبة

73. في الثالث من يناير،وقبل أن يكون هناك أي أخبار عن انتشار الفايروس التاجي خارج الصين، نشر حزب المساواة الاشتراكية بياناً حدد فيه العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين بوصفه عقد ثورة اشتراكية. وأشار فيه إلى المظاهرات والإضرابات في المكسيك، وبورتو ريكو، والإكوادور، وكولومبيا، وتشيلي، وفرنسا، واسبانيا، والجزائر، وبريطانيا، ولبنان، وهونغ كونغ، والعراق، وإيران، والسودان، وكينيا، وجنوب أفريقيا، والهند وغيرها في العديد من البلدان، وكتب حزب المساواة الاشتراكية أن" الشروط الموشضوعية للثورة الاشتراكية تبرز من الأزمة الشاملة". 

74. وكما هو الحال مع كل عناصر الأزمة الرأسمالية، فإن الجائحة تسرع نمو المعارضة الاجتماعية لدى الطبقة العاملة إلى حد كبير.  ومهما بلغت شدة الأزمة لكنها لا تقود إلى ثورة بشكل آلي. كتب تروتسكي في 1935، التي كانت فترة أخرى من الصراعات الاجتماعية المتفجرة على مشارف الحرب العالمية الثانية،  شارحاً " الماركسية، هي النظرية العلمية الوحيدة للثوة البروليتارية، وما من شيء يربطها بالأمل القدري بأزمة  نهائية". فالماركسية من حيث جوهرها،  مجموعة التوجيهات لعمل ثوري. الماركسية لا تغفل الإرادة والشجاعة بل تساعدهما على إيجاد الدرب الصحيح". وتابع:

لا يوجد أزمة يمكن أن تكون، في حد ذاتها، قاضية بالنسبة للرأسمالية. أن اهتزازات حلقة الأعمال تكتفي فقط بخلق وضع يمكن أن يكون أسهل أو أشد صعوبة بالنسبة للبروليتاريا للإطاحة بالرأسمالية. إن الانتقال من مجتمع بورجوازي، إلى مجتمع اشتراكي، يفترض، مسبقاً، نشاط الرجال الأحياء الذين هم صناع تاريخهم الخاص بهم. هم لن يصنعوا التاريخ عرضاً، أو تبعاً لنزواتهم ، بل تحت تأثير أسباب موضوعية محددة. ومع ذلك فإن أفعالهم الخاصة،و مبادراتهم، و جسارتهم، و إخلاصهم، وكذلك حماقتهم أو جبنهم، هي روابط ضرورية في سلسلة التطور التاريخي.

75. وأضاف تروتسكي، منتقداً قدرية الستالينيين البيروقراطية،" الوضع الثوري لا يسقط من السماء، بل ينتج عن الصراع الطبقي. وحزب الطبقة العاملة هو العامل السياسي الأشد أهمية في تطوير وضعاً ثورياً.

76. إن عمل حزب المساواة الاشتراكية خلال النصف الثاني من 2020 سيتطور تحت ظروف أزمة سياسية متصاعدة. إن الحملة الرئاسية القادمة ستوفر مزيداً من الأدلة حول الإفلاس السياسي للحزبين الرأسماليين الرئيسيين، اللذين هما في خدمة طغمة المال والشركات. وبغض النظر عن حدة تبايناتهما التكتيكية لكن الديمقراطيين والجمهوريين ملتزمان بشكل متماثل بالدفاع عن النظام الرأسمالي. وبغض النظر عن الحزب الذي سيربح الانتخابات، وهذا يتطلب افتراض قابل للمناقشة إن كانت الانتخابات ستٌنظم، فإن التيارات التي تم التعبير عنها بشكل مثير للقلق خلال إدارة ترامب ستستمر وستزداد سوءاً .لا يمكن إنكار أن ترامب رجل عصابات فاشي، لكنه لم يتسلل مثل أفعى إلى جنة عدن الأمريكية. فترامب ليس سوى تشخيصاً فردياً للطبقة الحاكمة الأشد طفيلية، عديمة الرحمة والرجعية. وإن سياسات إدارته لا تمثل قطيعة بل استمراراً لسياسات ريغان (1981-1989)، وبوش الأول ( 1989-1993)، وكلينتون ( 1993-2001)، وبوش الثاني (2001-2009)، وأوباما ( 2009- 2017 ) تحت شروط أزمة حادة.

77. يسعى الحزب الديمقراطي ووكلائه من اليسار الزائف إلى تقديم الانتخابات بتعابير وجودية، محذرين من الكوارث التي تنتظر البلاد في حال إعادة انتخاب ترامب. لكن الكارثة وقعت فعلاً وستستمر في حال صار جوزيف بايدن رئيساً. وسيستمر الهجوم ضد الطبقة العاملة .  وكما هو الحال في مجال السياسة الخارجية، فالديمقراطيون بينوا بجلاء أنهم ينوون تصعيد المواجهة مع روسيا والصين.

78. إن الحملة الرئاسية لحزب المساواة الاشتراكية لا تستند على حسابات انتخابية بل على منطق الصراع الطبقي.  إن مرشحي حزب المساواة الاشتراكية، جوزيف كيشور و نوريسا سانتا-كروزـ سيسعيان لاستخدام الحملة لتشجيع النزعة النضالية المستقلة للطبقة العاملة، لرفع وعيها الطبقي وتعزيز فهمها للمنظور الاشتراكي، ولإعداد العمال والشباب للنضالات القادمة، بغض النظر عن الحزب الرأسمالي الذي سيفوز بالانتخابات. وسيقوم حزب المساواة الاشتراكية قبل كل شيء باستخدام الحملة لشرح للعمال الأمريكين مفادها أنهم جزء من طبقة عاملة عالمية، وأن النضال ضد الرأسمالية في الولايات المتحدة سيكون مظفراً فقط  بشرط أن يتم خوضه على قاعدة استرتيجية أممية تعارض كل أشكال النزعة القومية.

79. إن حجم المظاهرات الجماهيرية في عام 2019 واتساعها الجغرافي برهن على نمو طبقة عاملة دولية مندمجة على مستوى العالم، تضم حالياً ثلاثة مليارات شخص. إن السنوات الثلاثين المنصرمة  شهدت الابتعاد عن العمل الزراعي، ومع هجرة مئات ملايين الفلاحين والمزارعين إلى المدن والالتحاق بصفوف الطبقة العاملة. ففي عام 2007 وللمرة الأولى في تاريخ العالم، صار أغلبية البشر من سكان المدن. ويشتد ترابط الطبقة العاملة بفضل التكنولوجيا، حيث امتلك، في الفترة ما بين 2014 – و2019 أكثر من ملياري شخص إمكانية الولوج إلى الإنترنت للمرة الأولى.

80. ضمن إطار هذه الاستراتيجية ذات السمة الدولية، يجب أن يكون التركيز المركزي لنشاط الحزب من خلال التدخل في الصراع الطبقي بشكل منهجي وكسب العمال والشباب الأكثر وعياً سياسياً إلى جانب الحزب. يجب أن يضع الحزب كلمات تروتسكي في اعتباره:" ما هي مهامنا؟ تتمثل المهمة الاستراتيجية بمساعدة الجماهير على أقلمة أنفسهم سياسياً ونفسياً مع الوضع الموضوعي، وتجاوز الأحكام المسبقة التقليدية السائدة بين العمال الأمريكيين، وأن يوفقوا هذا مع الوضع الموضوعي للأزمة الاجتماعية للنظام بأسره. 

81. كتب تروتسكي في البرنامج التأسيسي للأممية الرابعة :" إن المهمة الاستراتيجية للأممية الرابعة لا تهدف إلى إصلاح الرأسمالية بل إلى الإطاحة بها."  ويتمثل هدفها السياسي بالاستيلاء على السلطة من قبل البروليتاريا بهدف انتزاع مٌلكية البورجوازية. صحيح أن إنجاز هذه المهمة الاستراتيجية لا يمكن تصوره بدون الانتباه الأشد إلى كل قضايا التكتيكات بما في ذلك الصغرى  والجزئية منها.  يجب أن تٌجذب كل أقسام البروليتاريا ، بكل قطاعاتها ومهنها ومجموعاتها إلى الحركة الثورية. إن المرحلة الحالية لا تتميز بواقع أنها حررت الحزب الثوري من العمل يوماُ بيوم بل لأنها سمحت بأن يتم تنفيذ العمل بشكل لا يفصم عن المهام الفعلية للثورة."

82. ومن خلال القيام بهذا العمل فإن حزب المساواة الاشتراكية، يطرح، انسجاماً مع نصيحة تروتسكي، مطالباً ومبادرات تربط القضايا والاحتياجات التي تبرز من وضع ملموس باستراتيجية الثورة الاشتراكية. وفي ما يتعلق بجائحة الفايروس التاجي، دعا الحزب إلى وضع حد لحملة العودة إلى العمل المتهورة والإجرامية، وإلى إلغاء خطة إنقاذ شركات و وولستريت، وإلى برنامج إسعافي لتوفير الأمن الاقتصادي لكل العاطلين عن العمل، وإلى توسيع الإنفاق على البنى التحتية لنظام الرعاية الصحية، وإلى مصادرة ثروات الشركات والنخبة المالية لمواجهة الأزمة الاجتماعية الملحة التي تواجه عشرات الملايين من الناس،  وإرساء ملكية العمال الديمقراطية على البنوك الكبرى  والشركات ومراقبتها، وهو سيناضل في سبيل هذا.

83. إن كل هذه المطالب تنبثق من قاعدة أن الاستجابة للجائحة يجب أن تستند على ما يحتاجه العمال والمجتمع بأسره، لا على ما يٌحضر النظام الرأسمالي وأفراد الطغمة المالية لمنحه. إن هذه المطالب تقود حتماً إلى النتيجة الختامية: الحاجة إلى إقامة سلطة العمال وإلغاء الرأسمالية.

84. المهام النوعية التي تنتج عن هذا المنظور.

أ. تشديد نضال الحزب لتطوير شبكة  من لجان السلامة على كل المستويات في موقع العمل، تربط كل معمل، ومكتب، وموقع عمل. ويجب على هذه اللجان، الخاضعة لرقابة ديمقراطية من قبل العمال أنفسهم، تحديد الإجراءات الضرورية للحفاظ على صحة وحياة العمال وعائلاتهم والجماعة الأوسع، وتطبيقها ومراقبتها. ويجب أن يٌربط هذا بالنضال لتطوير قيادة اشتراكية داخل الطبقة العاملة وجذب العمال للانضمام إلى الحزب.

ب. الاستمرار في دفاع الحزب عن المضامين التقدمية للثورتين الأمريكيتين وهذا مرتبط بشكل لا يٌفصم  بالنضال ضد السياسات العرقية- الطائفية للحزب الديمقراطي ولوكلائه من اليسار الزائف في الطبقة الوسطى. إن إدعاء أن الولايات المتحدة محكومة بتناقضات عرقية، وأنه يجب لوم العمال البيض على ظروف العمال السود، هو أمر خاطىء ورجعي سياسياً. إن حزب المساواة الاشتراكية يعارض المطالبة بتعويضات، التي هي سياسة بورجوازية صغيرة تهدف إلى تقسيم العمال وتخدم الطموحات الرأسمالية لدى فئة ذات امتيازات من البورجوازية الأفرو- أمريكية والفئة العليا من الطبقة الوسطى، التي ترغب في تعزيز فرصة الوصول إلى الثروة المٌحتكرة من قبل فئة الـ 1% في القمة.

ج. حملة واسعة ونشطة لبناء الشباب والطلاب الدوليين في سبيل المساواة الاشتراكية في الجامعات والمدارس وبين شباب الطبقة العاملة. ويجب، بشكل خاص، على حركة الشباب والطلاب في سبيل المساواة الاجتماعية تنظيم المعارضة بين صفوف الشباب وقيادتها، بالتحالف مع المدرسين ومع كل الطبقة العاملة، لحملة إعادة افتتاح المدارس ضمن شروط غير آمنة.

د. يجب على حزب المساواة الاشتراكية وعلى حركة الشباب والطلاب في سبيل المساواة الاجتماعية شن حملة لا تعرف الكلل للدفاع عن كل العمال المهاجرين الذين ما يزالون عٌرضة لاضطهاد مستمر من قبل سلطات الهجرة وحرس الحدود. إن الحزب وحركة الشباب يطالبان بإنهاء عمليات الترحيل. ويطالبان بالترحيب بالمهاجرين، وبإطلاق المعتقلين منهم لدى حرس الحدود. كما يطالبان بإنهاء تشتيت شمل العائلات وتوفير سكناً لائقاً ودعماً مالياً لطالبي اللجوء. ويجب توفير كل الفرص للمهاجرين للتمتع بحياة آمنة ومنتجة في الولايات المتحدة مع كامل حقوق المواطنة.

هـ. يجب على حزب المساواة الاشتراكية تشديد حملته ضد الحرب وضد النزعة العسكرية التي تهدد بإشعال حرباً عالمية ثالثة.إن كل فئات الطبقة الحاكمة ملتزمة بمصالح الإمبريالية الأميريكية الجيوسياسية. يجب أن  يستند النضال ضد الحرب على  الطبقة العاملة؛ ويجب أن يكون ضد الإمبريالية واشتراكياً؛ ويجب أن يكون مستقلاً عن كل الأحزاب السياسية التي تدافع عن النظام الرأسمالي ومعادياً لها؛ ويجب، في المقام الأول، أن يكون أممياً، يوحد ويحشد القوة الكبيرة للطبقة العاملة في نضال عالمي موحد للقضاء على الرأسمالية وعلى تقسيم العالم على أساس الدولة- الأمة وإقامة اشتراكية عالمية.

و. إن النضال ضد قمع الدولة و ضد الحرب مرتبط بشكل لا ينفصم بالنضال ضد الرقابة على الإنترنت، وبالدفاع عن حق الصحافيين في فضح جرائم الدولة. ويجب على حزب المساواة الاشتراكية وحركة الشباب والطلاب في سبيل المساواة الاجتماعية متابعة الحملة لإطلاق غير مشروط لسراح جوليان أسانج، ولوقف اضطهاد شيلسي مانينغ، وضد الرقابة على موقع الاشتراكية العالمية، وغيره من المواقع الإلكترونية اليسارية المعادية للحرب والاشتراكية وكذلك الرقابة على الأفراد من خلال عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل وفيسبوك. 

85. إن الأثر السياسي وفاعلية مبادرات حزب المساواة الاشتراكية وحملاته يرتبط بضم العمال إلى الحزب.  إن السياسة الثورية لا تتكشف في عالم بعيد، أثيري، يتجاوز الإنسان. وحتى أفضل الظروف الموضوعية ملائمة تحتاج للعمل عليها من قبل عمال واعين سياسياً، ممن تعلموا  في الحزب. إن إنشاء لجان سلامة  في موقع العمل في معامل السيارات في ديترويت، وتوليدو، وفي اجزاء أخرى من البلاد برهن على الدور الحيوي الذي لعبه الحزب في تطور الطبقة العاملة بوصفها قوة واعية سياسياً واجتماعياً. 

86. يجب على الحزب أن يشرح بصبر للعمال وللشاب طبيعة الأزمة واستراتيجية النضال في سبيل الاشتراكية، إنما لا يجوز أن تتحول الحاجة إلى شرح صبور حجة للتأمل السلبي. يجب ألا يتم إضاعة فرص ترجمة الفهم السياسي إلى أفعال عملية. إن هدف الحزب هو قيادة العمال في النضال.

87. وسيتم تنفيذ كل عمل حزب المساواة الاشتراكية بأكبر قدر من التعاون مع اللجنة الدولية للأممية الرابعة. لا يوجد حل قومي للجائحة الشاملة، كما أنه لا وجود لحل قومي لأي من المشاكل الكبرى التي تواجه الطبقة العاملة مثل انعدام المساواة، والاستغلال، والحرب، والتدهور البيئي. إن بناء حركة اشتراكية جماهيرية ضمن الطبقة العاملة الأمريكية يجب أن يرتبط بحشد مليارات العمال عبر العالم، بوصفهم القوة الاجتماعية الضخمة التي يمكن لها أخيراً وضع حد للهمجية الرأسمالية وأن تفتح طريقاً جديداً أمام الجنس البشري.

88. في المدرسسة الصيفية التي أقيمت قبل عام مضى، خلص حزب المساواة الاشتراكية، استناداً إلى مراجعة تطور الحركة التروةتسكية والظرف الموضوعي، إلى أن اللجنة الدولية للأممية الرابعة دخلت في مرحلة تاريخية جديدة. وقد حدد الرئيس الوطني لحزب المساواة الاشتراكية دافيد نورث المرحلة بوصفها " ستشهد نمواً كبيراً في اللجنة الدولية للممية الرابعة بوصفها الحزب العالمي للثورة الاشتراكية":

إن الصيرورات الموضوعية لعولمة الاقتصادية، الذي تم تحديدها  من قبل اللجنة الدولية قبل أكثر من 30 عاماُ، قد أنجزت المزيد من التطور الهائل. إن ارتباطها  بالتقنيات الجديدة التي أنجزت ثورة في الاتصالات، وأدت هذه الصيرورات إلى إضفاء طابعاً دولياً على الصراع الطبقي إلى درجة كان من الصعب تخيلها قبل 25 سنة. إن النضال الثوري للطبقة العاملة سيتطور بوصفه حركة دولية مترابطة وموحدة. و سيتم بناء اللجنة الدولية للأممية الرابعة بوصفها القيادة السياسية الواعية لهذه الصيرورة الاجتماعية- الاقتصادية الموضوعية.  وهي ستجعل من استراتيجية الثورة الاشتراكية العالمية المستندة إلى طبقة العاملة  ثقلاً مضاداً للسياسات الرأسمالية للحرب الإمبريالية.  وهذه هي المهمة الجوهرية التاريخية في المرحلة الجديدة من تاريخ الأممية الرابعة  .

89. ولللتصدي لمسؤولياته السياسية الهائلة يجب على الحزب وعلى كادره أن يتجذر بحزم في التجارب التاريخية للحركة الماركسية وأن يتعلم منها. إن التاريخ الهائل المتجسد في اللجنة الدولية للأممية الرابعة يجب أن يتم استحضاره من قبل  الحركة المتطورة ضمن الطبقة العاملة. إن التقاطع بين الراديكالية الموضوعية للطبقة العاملة و ممارسة الحزب سيخلق شروط انتصار الطبقة العاملة، وسيلغي الرأسمالية وسينجز التحول الاشتراكي للاقتصاد العالمي.