اغتيال سليماني ، إستراتيجية الإمبريالية وأزمة النظام الإيراني

بقلم كيث جونز
١٦ كانون الثاني يناير ٢٠٢٠

كما هو الحال مع أي منعطف مفاجئ في الجيوسياسية العالمية ، فإن الهدف الحقيقي والعواقب الكاملة لاغتيال واشنطن الإجرامي لقاسم سليماني لم تظهر إلا بمرور الوقت.

وقد كشفت مزاعم إدارة ترامب بأن الاغتيال كان رداً على تهديد وشيك لحياه الأمريكيين بأنها أكاذيب صارخة. إستغرقت العملية أشهر في التخطيط ودافع عنها منذ فترة طويلة شخصيات رئيسية في مؤسسة السياسة الخارجية العسكرية للولايات المتحدة ، بما في ذلك رئيسة السي آي آيه جينا هاسبيل ووزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي السابق لترامب جون بولتون.

إن مقتل القائد العسكري ، الذي كان ينظر إليه على نطاق واسع على أنه يحتل المرتبة الثانية بعد الزعيم الأعلى آية الله خامنئي في هيكل السلطة الإيرانية ، يشكل تصعيدًا كبيرًا لحملة إدارة ترامب المتمثلة في "الضغوط القصوى" على إيران. تجمع هذه الحملة بين الضغط الدبلوماسي والعسكري الذي لا يلين مع العقوبات الاقتصادية المدمرة — التي تعد بمثابة فعل حربي — الحرب الإلكترونية وغيرها من "العمليات الخاصة".

في هذه الصورة الصادرة عن الموقع الرسمي لمكتب الرئاسة الإيرانية ، يتحدث الرئيس حسن روحاني في اجتماع لمجلس الوزراء في طهران ، إيران ، الأربعاء ، 15 يناير / كانون الثاني ، 2020. (مكتب الرئاسة الإيرانية عبر أسوشيتد برس)

فهو يهدف إلى "تحويل" إيران — سواء من خلال إعادة التشكيل أو الإطاحة التامة للنظام القومي الديني البرجوازي — على غرار ديكتاتورية الشاه الدامية التي دامت ربع قرن ، والتي ستكون  في خدمة الإمبريالية الأمريكية.

ومنذ فترة طويلة ينظر إلى إيران من قبل الاستراتيجيين الإمبرياليين الأمريكيين كمحور لحملتها لضمان الهيمنة على جميع أوراسيا. ويرجع ذلك إلى ثروتها النفطية الشاسعة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي ، بالقرب من التقارب بين ثلاث قارات وبين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ، المنطقتين الأكثر أهمية في العالم من حيث تصدير النفط.

من الناحية الدبلوماسية ، فإن الدافع الأمريكي لإجبار إيران على الإخضاع لاستعمار جديد يتم التعبير عنه في مطالبة ترامب وبومبيو بأن تتفاوض طهران لاستبدال الصفقة النووية الإيرانية "المعيبة" بـ"صفقة ترامب" الذي من شأنه أن يحد بشدة من المؤسسة العسكرية الإيرانية ، و"تراجع" نفوذها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط ، وأن يمنع إيران بشكل دائم من تنفيذ برنامج نووي مدني.

وتستند حملة "الضغط الأقصى" التي تشنها واشنطن ضد إيران إلى التهديد "الموثوق به" للحرب الكاملة وترتبط ارتباطًا وثيقًا بإستعداداتها "للصراع الاستراتيجي" مع روسيا والصين. ويمكن ان تتحول بسرعة إلى حرب كارثية مع إيران ، والتي ستجتاح الشّرق الأوسط بأكمله وتجتذب القوى العظمى الأخرى.

ولكن واشنطن تحسب بأن "صفقة كبرى" أكثر ملاءمة للإمبريالية الأمريكية يمكن ابتزازها من البرجوازية الإيرانية المنكوبة بالأزمات والانقسامات العميقة ، في ظل ظروف لا تواجه فيها فقط ضغوطًا خارجية متصاعدة باستمرار ، ولكن معارضة اجتماعية هائلة ، قبل كل شيء من الطبقة العاملة.

لقد اهتزت أركان النظام الإيراني بفعل انفجار الغضب الشعبي ضد التقشف واللامساواة في بداية عام 2018. في شهر نوفمبر / تشرين الثاني الماضي ، عندما أشعلت ارتفاعات هائلة في أسعار البنزين مظاهرات في أكثر من مائة مدينة ، بعضها عنيفة ، ردت الحكومة الإيرانية مرة أخرى بقمع جماعي وحشي وقيل انها قتلت عشرات المتظاهرين.

ومن الواضح أن الهدف من اغتيال سليماني أكثر من مجرد تهديد الجمهورية الاسلامية وزعزعة استقرارها وإنما إلى تغيير الديناميات الداخلية للنظام الإيراني. لقد أزيح القائد العسكري المسؤول عن الإشراف على محاولات إيران التصدي للضغوط الأمريكية من خلال شبكة من مجموعات الميليشيات الأجنبية ، معظمها على أساس الشعوبية الشيعية. علاوة على ذلك ، كان سليماني قائدًا يتمتع بقاعدة عريضة من الدعم الشعبي ، كما تشهد المظاهرات الجماهيرية اللاحقة التي احتجت على اغتياله وتهديدات الحرب الأمريكية.

بالنظر إلى الطريقة التي توفي بها سليماني ، بما في ذلك افتقاره الواضح للأمن ، فمن المشروع التساؤل عما إذا كان المعارضون من الفصائل داخل الدولة الإيرانية قد سهلوا اغتياله.

والأمر الذي لا جدال فيه هو أنه في أعقاب اغتياله و الأحداث المضطربة التي عجل بها ، تكثفت الحرب بين الفصائل ، وبلغت ذروتها بالإسقاط الغير متعمد للطائرة في الخطوط الجوية الأوكرانية الأسبوع الماضي من قبل صاروخ الحرس الثوري وتستره واندلاع مظاهرات طلابية تندد بإهمال الحكومة والقمع.

بالأمس ، أدان الرئيس حسن روحاني ، الذي قاد الدفعة نحو التقارب مع القوى الاستعمارية الأوروبية وواشنطن التي أدت إلى الصفقة النووية الايرانية ، المؤسسة العسكرية لفشلها في "الاعتذار" عن إسقاط طائرة الركاب. كما انتقد القرار الذي اتخذه مجلس صيانة الدستور مؤخراً باستبعاد العديد من البرلمانيين الحاليين من الترشح في الانتخابات المقبلة. ودعا إلى "المصالحة الوطنية" —  وهو شعار أثاره أنصار الخضر منذ فترة طويلة ، وهي حركة متمركزة في أقسام منشقة من البرجوازية والطبقة الوسطى العليا ، والتي شككت في نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2009 بدعم إمبريالي.

في غضون ذلك ، أعلن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ، أثناء زيارته إلى نيودلهي حيث التقى برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ، أن الحكومة الهندية ، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة ، يمكن أن تلعب "دورًا مهمًا في تخفيف حدة التوترات في الخليج". 

ومن بين العناصر الرئيسية في الجهود التي تبذلها إدارة ترامب للاستفادة من أزمة النظام الإيراني والانقسامات التي طال أمدها في الداخل كان إقناع القوى الإمبريالية الأوروبية — ألمانيا وفرنسا وبريطانيا — للانضمام إلى واشنطن في نبذ الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.

يوم الثلاثاء ، اتخذ ما يسمى بـ "E-3" خطوة عملاقة في هذا الاتجاه ، من خلال البدء في آلية حل النزاعات الخاصة بالاتفاق ، وبالتالي وضع أنفسهم على المسار السريع للانضمام إلى واشنطن في فرض وضبط العقوبات التي تخنق الاقتصاد الإيراني.

واشنطن هي التي زبلت الاتفاق النووي وتواصل "العدوان الأقصى" على إيران. من خلال هيمنتها على النظام المالي العالمي ، أغلقت بنجاح التجارة العالمية مع إيران ، مما جعل المقايضة التي يقوم عليها الاتفاق — إزالة العقوبات في مقابل تفكيك الكثير من البرنامج النووي المدني الإيراني — لاغية وباطلة.

ومع ذلك ، في ما يكون إلا موسيقى لآذان ترامب وبومبيو ، فإن فرنسا وألمانيا وبريطانيا تلقي اللوم على إيران لانتهاكها الاتفاقية ، مستشهدة بسخرية بمحاولات طهران لكسب النفوذ بتجاوز العديد من شروط الاتفاقية واتهامها بالسعي للحصول على أسلحة نووية.

فقد اهتزت القوى الإمبريالية الأوروبية بفعل تصرفات الولايات المتحدة الاستفزازية الأحادية الجانب التي تخل بمصالحها. كان اغتيال سليماني مجرد صدمة وقحة أخيرة.

تخشى بريطانيا وقوى الاتحاد الأوروبي من أن يتسبب عدوان واشنطن المتصاعد على إيران في إشعال حرب شاملة ضد مصالحها الإمبريالية ، حتى لو لم تشارك روسيا والصين مباشرة. فالحرب من شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط ، وتشويش الاقتصاد الأوروبي ، وإشعال أزمة لاجئين أخرى ، وتزايد الراديكالية في هجوم مضاد للطبقة العاملة.

ولا شك ان بومبيو وآخرون قالوا للأوروبيين انهم إذا أرادوا كبح جماح ترامب ، وتجنب اندلاع حرب كبرى والاحتفاظ بنفوذهم في الشرق الأوسط ، فعليهم أن يؤيدوا واشنطن وحملة الضغط الأقصى.

إلى هذه الحوافز المشكوك فيها ، أضافت إدارة ترامب تهديدًا بالحرب التجارية ، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست أمس تحت عنوان: "قبل أيام من تحذير الأوروبيين لإيران من انتهاكات الاتفاق النووي ، هدد ترامب سراً بفرض تعريفة بنسبة 25 بالمائة على السيارات الأوروبية  إذا لم يفعلوا ".

ومع ذلك ، كما في حالة واشنطن ، فإن العامل الرئيسي في حسابات الأوروبيين هو طابع النظام البرجوازي الإيراني والأزمة الواضحة التي يمر بها.

ومن الواضح أن القوى الإمبريالية الأوروبية اكتسبت المزيد من الجرأة بفعل رد النظام الإيراني على اغتيال سليماني ، الذي اقتصر على الضربات الصاروخية التي تلقى البنتاغون إنذاراً مسبقاً بها ولم تسفر عن وقوع إصابات ، وبمحاولتها الخرقاء للتغطية على مسؤوليتها عن إسقاط طائرة أوكرانيا رقم 752.

على الرغم من كل تبجحه المعادي لأمريكا ، فإن النظام الإيراني هو نظام وطني برجوازي.  بقدر ما أصبح في صراع مع واشنطن ، فقد كان دائما من وجهة نظر زيادة إمكانياته الخاصة لاستغلال الطبقة العاملة وتعزيز نفوذه الإقليمي.

إن المعارضة المتزايدة من الطبقة العاملة تدفع إيران إلى تكثيف محاولاتها المستمرة لعقود لإحداث تقارب مع كل إدارة أمريكية ، ويعود ذلك على الأقل إلى جورج بوش الأب.

وإذ تمكنت ، فإن نخبة الجمهورية الإسلامية ، أو قسماً منها ، سوف تبرم صفقة مع الإمبريالية على حساب الجماهير. وحتى قبل وصول روحاني إلى السلطة في عام 2014 على أساس برنامج اقترن بمبادرات تجاه واشنطن وأوروبا ومزيد من عمليات الخصخصة وخفض الدعم وغيرها من التدابير المعادية للطبقة العاملة ، شارك النظام الإيراني في محادثات وراء الكواليس مع إدارة أوباما بشأن إزالة  العقوبات.

ومن الممكن أن تجري محادثات مماثلة في المستقبل أو حتى تجري الآن عبر القنوات الخلفية. وقد أظهر ترامب في تعاملاته مع كوريا الشمالية أنه قادر على ملاحقة مثل هذه السياسة ذات المسارين.

بالنسبة إلى ما يسمى بـ "المتشددين الإيرانيين" ، فهم ليسوا أقل عداءًا للطبقة العاملة عن معارضتهم الفصائلية ، كما يتضح من تطبيق تدابير "الإصلاح" النيوليبرالية من قبل كل حكومة إيرانية منذ أواخر الثمانينات ، واستعدادهم  إلى الاتحاد مع خصومهم لقمع أي تحد من أسفل.

وفي نهاية المطاف ، دعم "المتشددون" الاتفاق النووي والسعي إلى إقامة علاقات أوثق مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. والأهم من ذلك أن استراتيجيتهم لمعارضة واشنطن — القائمة على السعي إلى إقامة علاقات عسكرية استراتيجية وثيقة مع روسيا والصين واستخدام الشعبوية الشيعية والطائفية الدينية لحشد الدعم في جميع أنحاء الشرق الأوسط — تشكل زقاقاً داكن يهدد بإغراق المنطقة والعالم في حريق.

الإستراتيجية الوحيدة القابلة للتطبيق لمعارضة ضراوة الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية الأوروبية ضد إيران هي القائمة على تصاعد الطبقة العاملة المتزايد في جميع أنحاء العالم ضد التقشف وعدم المساواة الاجتماعية والحرب ، والكفاح من أجل تسليحها ببرنامج وقيادة اشتراكية ثورية.

ويتعين على العمال والشباب في إيران أن يعارضوا الجمهورية الإسلامية الرأسمالية من خلال النضال من أجل جمهورية عمال اشتراكية التي سوف تناضل من أجل توحيد الجماهير في مختلف أنحاء الشرق الأوسط ، عبر كل الخطوط الطائفية والعرقية والدينية ، ضد الإمبريالية وكل الأنظمة البرجوازية الفاسدة.

في أمريكا الشمالية وأوروبا وحول العالم ، يجب أن يكون شعار الطبقة العاملة هو "ارفعوا أيديكم عن إيران"! إن معارضة جميع العقوبات والمؤامرات والتهديدات والاستعدادات الحربية ضد إيران عنصر حيوي في بناء حركة عالمية تقودها الطبقة العاملة ضد الحرب الإمبريالية والنظام الرأسمالي الذي تعصف به الأزمات والذي هو مصدرها.