الأصول السياسية وتداعيات انشقاق اللجنة الدولية للأممية الرابعة خلال 1982- 1986

By بقلم دافيد نورث
٢ آب أغسطس ٢٠١٩

هذه محاضرة قدمها دافيد نورث في افتتاح المدرسة الصيفية لحزب المساواة الاشتراكية في الولايات المتحدة في  21 يوليو/ تموز 2019 . نورث هو الرئيس الوطني  لحزب المساواة الاشتراكية وهو رئيس مجلس تحرير موقع الاشتراكية العالمية . 

ستركز محاضرات هذا الأسبوع على تاريخ اللجنة الدولية للأممية الرابعة من 1982 إلى 1995 وهذا يعني انطلاقاً من  الصياغة الأولى لنقد تفصيلي لتحريفات حزب العمال الثوري البريطاني للأسس النظرية وللبرنامج السياسي للحركة التروتسكية ،  وحتى قرار تحويل رابطات اللجنة الدولية إلى أحزاب.  سبق لنا في الماضي ، وبشكل خاص خلال المدرسة الصيفية 2015 مراجعة الأحداث التي قادت إلى القطيعة مع حزب العمال الثوري. وخلال الأشهر الأخيرة قام أعضاء الحزب بدراسة الوثائق  التي أنتجتها رابطة العمال بين 1982 و 1985 .

لكن نقطة التركيز الرئيسية لهذه المدرسة  ستكون تطور اللجنة الدولية في أعقاب  القطيعة النهائية مع حزب العمال الثوري في فبراير 1986 . وستستند المحاضرات على مجموعة واسعة من الوثائق التي تجعل من الممكن دراسة المناقشات داخل اللجنة الدولية  وفروعها حول القضايا الحساسة المرتبطة بالاستراتيجية والبرنامج ، والمنظورات والتنظيم.

وتتوفر مواد جديدة- بما في ذلك محاضر  النقاشات داخل قيادات اللجان وكذلك تبادل الرسائل بين قادة الحزب- تم نضمينها ضمن مجموعة من الوثائق جرى  ترتبيها تحت عنوان  التسلسل  السياسي الزمني لوثائق اللجنة الدولية للأممية الرابعة 1982- 1991. وهذه هي المرة الأولى التي  يتم فيها جعل هذا متاح لكل أعضاء الحزب .إن هذه الوثائق تكشف عمق وكثافة  النقاشات داخل اللجنة الدولية وحيوية حياتها السياسية الفكرية . إنها مصدر لا يقدر بثمن  من المواد لدراسة  تفصيلية لتاريخ اللجنة الدولية ،وهي ستمكن أعضاء الحزب من تفحص السيرورة السياسية التي  من خلالها قامت اللجنة الدولية وفروعها  بتطوير استجابتها  للأحداث الخطيرة  المهمة  --والتي كانت متوقعة-- التي تلت انقسام اللجنة الدولية في 1985- 1986. إن هذه الوثائق تقدم نظرة متبصرة حول كيفية إجراء المناقشات السياسية المبدئية داخل حزب ماركسي ثوري تروتسكي.

ما هي الاعتبارات التي أثرت على انتقاء موضوع هذه المدرسة وتركيزها على وثائق اللجنة الدولية للأممية الرابعة؟  هناك العديد  من الإشارات التي تبين أن اللجنة الدولية دخلت مرحلة نمو كبير.  فنحن بالفعلتمكنا من ضم العديد من الأعضاء الجدد في حركتنا  ولن تشمل هذه العملية ضم أفراد جدد  في فروع اللجنة الدولية الحالية فحسب ، بل تشمل إنشاء فروع جديدة عبر أرجاء  العالم.   إن مدى وسرعة هذا النمو سيتأثران  بالأحداث الموضوعية. لكن لا مجال للجدال حول أن عملنا السياسي على مستوى العالم يتقاطع مع مسار الصراع الطبقي الذي تدفعه الأزمة المتصاعدة في النظام الرأسمالي العالمي. 

نحن نرحب بنمو حركتنا الذي ناضلنا في بنائها على مدى عدة عقود من السنين . لكن كل السيرورات تتضمن تناقض متأصل . كما أن هناك خطر ، كما شرح تروتسكي في نقده للتوجه الجديد عام 1923 من أن تدفق الأعضاء الجدد عديمي التجربة سيقود إلى تدني  المستوى السياسي والنظري للحزب.  هذه مشكلة طبيعية ترافق النمو دائما،  و لا يمكن للمرء أن يتوقع أن الأعضاء الشباب سيفهمون بشكل آلي تحديات ومتطلبات العمل الثوري.  يمكن أن تكون نزعة  استجابة انطباعية وعملية للأحداث ، نتيجة لقلة الخبرة. ويقع على عاتق الرفاق القدامى مهمة دعم الرفاق الجدد بالصبر الضروري.

لكن سيكون من الخطأ اعتبار الرفاق كبار السن معصومين سياسياً بفضل سنوات خبرتهم العديدة.  فهناك قيمة لا تقدر للخبرة التي تحملها السنين لكنها لا تخلو من إشكاليتها الخاصة ومن مميزاتها السلبية.  قيل لنا أن العمر يحمل الحكمة لكن هذا يجب أن يؤخذ ببعض الحذر . فالعمر يحمل بالإضافة إلى ذلك  المزيد من زيارة الأطباء، و ميل إلى التحفظ والدوغمائية،  والاعتقاد الخاطىء بأن الاستجابة للمشاكل الجديدة  لا تتطلب أكثر من تطبيق مباشر لما نعتبره مرجع دون تفكير كاف بوصفه دروس الماضي . لكن ما نسميه " دروساً"  يجب أن يتم تحديده بدقة متأنية وإلا خاطر المرء بحل مميزات الوضع القائم على أنها عموميات أبدية عابرة للتاريخ .

إن التطور السياسي للحزب ككل بأعضائه القدامى والجدد ، وارتقاء  مستواه النظري  ليتوافق مع مع التحديات السياسية المتعاظمة  يتطلب تداخل فعل التزام شديد  بالتطورات المعاصرة  وتحديد الصيرورة التاريخية  التي تشكل المحتوى الجوهري للحاضر، وتحليلها بشكل نقدي. وهذا هو معنى اقتباسي لهيغل في مقالاتي العائدة إلى عام 1982 في الذكرى الخامسة لوفاة توم هينيهان: " وعليه فإن الإدراك يمضي قدماً من محتوى إلى آخر...وهو يرتقي  في كل مرحلة جديدة بكل محتواه السابق ،  ومن خلال تقدمه الدياليكتيكي  لا يقتصر الأمر على أنه لا يخسر شيئاً و لايخلف ورائه شيئاً بل يحمل معه كل ما كسبه ويغنيه و يركز نفسه على نفسه. [1[

إن تطوير و تعزيز برنامج تعليم نظري وسياسي هو مهمة جوهرية تتصف بالتحدي.  وهناك حاجة هائلة لإعداد محاضرات  حول        " جوهر " الماركسية  ونقصد المادية الفلسفية ، والاقتصاد السياسي والأصول التاريخية للحركة الاشتراكية.  ومع ذلك ودون أن ننوي بخس أهمية الطبقات في هذه المواضيع التأسيسية  لكن يجب على المرء التحذير من أن هذا العمل كان سيحتفظ بسمته الأكاديمية لولا أنه برنامج تعليمي  يتضمن دراسة مكثفة لتاريخ الأممية الرابعة . وهذا الموضوع الواسع يشمل التجربة الثورية للطبقة العاملة على مدى ما يقارب القرن .  

وعدا عن هذا فإن هذه الدراسة يجب أن تسترشد بمنهج نظري صحيح . وكان هيغل في دراسته فلسفة التاريخ قد سخر من مختلف مقاربات التاريخ البراغماتية وكتب :" إن أسوأ نوع من المؤرخين البراغماتيين هو عالم النفس البائس الذي يسعى وراء الأسباب الذاتية وبالكاد يتجاوزه  في هذا هو البراغماتي الواعظ... الذي يستيقظ مرهقاً بشكل متقطع من تشويشه  لينطق بأفكار مسيحانية تنويرية ، ويهاجم الأحداث   والأفراد بمواعظه الأخلاقية ويخوض في الأفكار التربوية  بمفردات وعظية ، و عقيدة أخلاقية وما إلى ذلك". [2] وكان هيغل يلمح بوضوح إلى روبرت سرفيس.

كان هيغل مثالياً موضوعياً  وكان دياليكتيكه يعرض السيرورة التاريخية بوصفها عملية استكشاف  منطقية  وإعادة تركيب الفكرة المطلقة في العقل الفلسفي.  بعدها استخلص ماركس وأنجلز من عرض هيغل المثالي و الروحاني  السيرورة المادية الحقيقية  التي تحرك التاريخ . إن كتابات إنجلز عام 1888 جددت العمل على نقد هيغل للتاريخ البراغماتي لكن على أساس مادي وشرح إنجلز قائلاً أن نقطة الضعف الأساسية في المقاربة البراغماتية للتاريخ كانت " أنها تقيم  كل شخص  وفق دوافع الفعل ، وهي تقسم الرجال  الذين أثروا في التاريخ إلى نبلاء وأخساء وتوصل بعدها إلى أن القاعدة التي  تقول أن النبلاء يتعرضون للاحتيال  وأن الأخساء هم المنتصرون. [3[

وتابع  إنجلز :

عندما يتعلق الأمر بالتحقيق في القوى المحركة التي تقف،  بشكل واعٍ أو غير واع ، وفي الواقع غالباً ما يكون الأمر بشكل غير واع، وراء دوافع الرجال  الذين يصنعون التاريخ والتي تشكل القوى  المحركة العليا الحقيقية  للتاريخ لا يكون الأمر عندها متعلقاً  بشكل كبير بدوافع الأفراد، حتى ولو كان لها دور كبير، بل  بالدوافع التي تحرك الجماهير الغفيرة  وشعوب بأسرها ، والتي تحرك طبقات كاملة من الشعب ، بل وحتى هذا ، وليس بشكل لحظي ، ولاتؤدي إلى تأجيج  نار في الهشيم سرعان ما تخمد بل تقود إلى فعل دائم ينتج عنه تحول تاريخي ضخم . [4[

لكن في ما يخص المقاربة  التي ترشد بالضرورة دراستنا لتاريخ الحركة التروتسكية فإننا  لن نركز على الدوافع المفترضة للأفراد الذين لعبوا أدواراً كبيرة في مختلف محطات هذا التاريخ بل على السيرورات التاريخية والاجتماعية الموضوعية التي وجدت تعبيراُ واعياُ عنها في النضالات السياسية في سبيل الأممية الرابعة.

إذا اعتبرنا نقطة البداية هي تأسيس المعارضة اليسارية عام 1923 فهذا يعني أن تاريخ الحركة التروتسكية قارب قرن من الزمان. ويتمثل موضوع هذا التاريخ في النضال الواعي للطليعة الماركسية  للطبقة العاملة الدولية  للدفاع عن برنامج واستراتيجية  الثورة الاشتراكية العالمية وتطويره في أعقاب ثورة أوكتوبر 1917. إن المحتوى المثير  ضمن تاريخها يتمثل بأحداث  القرن العشرين الكبرى من حروب وثورات وثورات مضادة التي زجت بملايين البشر في صراع وكلفت  حياة مئات الملايين .  إن مثل هذه الأحداث الكبرى لا يمكن تفسيرها بشكل ملائم من خلال صيغة  الدوافع والأفراد مهما كانت أهمية الدور الذي لعبته في العديد من النقاط في تاريخ الحركة التروتسكية . ويجب على المرء باستمرار بذل الجهد لكشف الظروف الموضوعية ، والقوى الاجتماعية والمصالح الطبقية ، التي تكون في كثير من الأحيان غير معروفة بالنسبة لأولئك الناشطين في العملية السياسية،  والتي تتمظهر في أفعال الأفراد والأطراف المتصارعة . إن أولئك الذين يتخيلون  ربط التاريخ بإرادتهم الذاتية سيكونون باستمرار أدوات  بالنسبة للقوى الاجتماعية الأشد رجعية  والعمليات السياسية. أما الثوري الماركسي فيفهم أنه لا يمكن أن يتم التحكم بالتاريخ إلا بقدر ما يتم فهم قوانينه الدياليكتيكية، و عليه أن يعمل على أساسها بأكبر قدر  مستطاع.

لقد  قام تروتسكي بتألقه المعتاد بوصف العلاقة بين التحليل الماركسي والتصميم الثوري الذاتي:

إن ثوري عصرنا الذي لا يمكن أن يرتبط إلا بالطبقة العاملة يمتلك مزايا نفسية خاصة وهي  نوعي ذكاء  وإرادة. وعند الضرورة وعندما تتوفر الإمكانية يحطم الثوريون العوائق التاريخية بالقوة. وإن لم يكن هذا ممكناُ عندها يقومون بالالتفاف حولها . وإن كان التحايل مستحيلاً ، فسيواصل الثوريون  بصبر وإصرار إلغاء العوائق  وتقطيعها. هم ثوريون لأنهم لا يخشون تدمير العوائق ولا استخدام القوة التي لا تلين . هم يعرفون القيمة التاريخية لهذه الأشياء . إنها محاولتهم الثابتة لنشر كل قدراتهم المدمرة والخلاقة في العمل ليستخلصوا من كل وضع تاريخي أقصى ما يمكن للمساهمة في تقدم الطبقة الثورية.

وخلال نشاطاتهم لا يكون هناك حدود داخلية تعيق الثوريين الذين لا يحد من نشاطهم سوى العوائق الخارجية وعلى هذا يجب عليهم تدريب أنفسهم على تقويم وضعهم وتقدير الواقع المادي الملموس المحيط بكل مجال نشاطهم ومعرفة جوانبه الإيجابية والسلبية ليتمكنوا من رسم مخطط الموازنة  بينها.[5[

والعلاقة بين الثوري الماركسي والتاريخ ديناميكية. والحركة التروتسكية تجهد لأن يكون تحليلها ونشاطها اليومي ضمن  سياق الحقبة الثورية بأسرها . وهذه المقاربة العلمية المنضبطة غير متوافقة مع السياسات الفردية  والانطباعية و البراغماتية الانتهازية وبالتالي فإن منظور الحركة التروتسكية لا يتحدد بالاحتياجات اليومية بل بمتطلبات الحقبة التاريخية.

و يجب على الحزب الثوري  أن يعي الأسس التاريخية لقراراته وأفعاله وتداعياتها المستقبلية. لكن هذا المستوى العالي من الوعي السياسي يتطلب معرفة تفصيلية بتاريخ الأممية الرابعة.

وهذا موضوع واسع يغطي قرابة قرن كامل من الزمان لكن من الممكن تحديد أربعة مراحل متمايزة في تاريخ الحركة التروتسكية . وتكمن قيمة هذا التقسيم إلى مراحل في أنه يسمح لنا أولاً بتحديد أكثر دقة لموقع اللجنة الدولية في مسار التطور التاريخي للأممية الرابعة و يتيح لنا ثانياً إيضاح علاقة  التطور التاريخي للأممية الرابعة بالأزمة الرأسمالية الشاملة و بسيرورة الثورة الاشتراكية العالمية.

إن المرحلة الأولى من تاريخ الأممية الرابعة تغطي حقبة من 15 سنة منذ تأسيس المعارضة اليسارية في أكتوبر 1923 وحتى  المؤتمر التأسيسي للأممية الرابعة في سبتمبر 1938 . وخلال تلك الأعوام التراجيدية التي هيمن عليها النضال ضد البيروقراطية الستالينية  وضد منظورها القومي حول الاشتراكية في بلد واحد طور تروتسكي الأسس النظرية والسياسية لما سيصبح  الأممية الرابعة في أعقاب وصول النازي إلى السلطة في ألمانيا. إن المبدأ الاستراتيجي المركزي الذي وجه النضال ضد الستالينية وتأسيس الأممية الرابعة  قد تم صياغته في نقد تروتسكي لمسودة برنامج  الأممية الشيوعية عام 1928.

كتب تروتسكي:

في عصرنا، وهو عصر الإمبريالية ،أي عصر هيمنة رأس المال المالي على اقتصاد العالم وعلى سياسات العالم لا يمكن لأي حزب شيوعي منفرد  وضع برنامجه  من خلال معالجة تقتصر على شروط وتيارات التطورات في  بلده أو تركز عليها بشكل رئيسي. و  هذا ينطبق تماماً على الحزب الذي استولى على سلطة الدولة ضمن حدود اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية.  ففي الرابع من أغسطس 1914 ( التاريخ الذي صوت فيه الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني لصالح حرب) قرع ناقوس الموت بالنسبة لكل البرامج القومية إلى الأبد. ولا يمكن لحزب البروليتاريا الثوري الاستناد إلا على برنامج أممي يتوافق مع سمة الحقبة القائمة وهي حقبة التطور الأقصى للرأسمالية وانهيارها. إن  أي برنامج شيوعي أممي لا يمكن أن يكون بأي حال جمعاً للبرامج القومية أو خليطاً من   مميزاتها المشتركة . ويجب على البرنامج الأممي أن ينبثق بشكل مباشر من تحليل ظروف وتيارات الاقتصاد العالمي والنظام السياسي العالمي بوصفه كلاً واحداً بكل تشابكاته وتناقضاته ، مع الترابط المتبادل المتعارضة بين أجزائه منفصلة.  وفي الحقبة الحالية ، وبشكل يتجاوز بكثير الوضع في الماضي، يمكن  و يجب على التوجه القومي للبروليتاريا أن ينبثق فقط  من توجه عالمي والعكس ليس صحيحاً. وهنا يكمن التباين الأولي الأساسي بين الشيوعية الأممية وبين كل تنوعات الاشتراكية القومية. [6[

شهدت المرحلة الأولى  سلسلة من الكوارث السياسية التي تسببت بها بشكل رئيسي خيانة بيروقراطيات الستالينيين والاشتراكيين الديمقراطيين. كانت تلك هي حقبة الجبهات الشعبية التي أدت إلى تبعية الطبقة العاملة  بتوجيه من الأحزاب الستالينية  للبممثلين  البورجوازيين الليبراللين لرأس المال المالي، وكانت تلك هي حقبة محاكمات موسكو والإرهاب الستاليني الذي قضى على كوادر الحزب البلشفي التي قادت الطبقة العاملة الروسية إلى النصر . ومن خلال إصراره على  الضرورة التاريخية للأممية الرابعة عارض تروتسكي المنظمات الوسطية العديدة التي ادعت أن الوقت كان مبكراً على إعلان أممية جديدة ، كما قالت أنه لا بد من "أحداث كبرى"  تبرر تأسيس  أممية جديدة. ورد تروتسكي أن "الأحداث الكبرى"  وقعت . إنها أكبر هزيمة حلت بالطبقة العاملة في التاريخ. وفقط من خلال بناء الأممية الرابعة وحل  أزمة القيادة الثورية سيكون من الممكن عكس مسار الهزيمة  وضمان انتصار الاشتراكية.

وبدأت المرحلة الثانية من تاريخ الأممية الرابعة مع المؤتمر التأسيسي  في سبتمبر 1938  وانتهت في نوفمبر 1953 مع انقسام كبير في الأممية الرابعة. وتضمنت هذه المرحلة التاريخية اغتيال تروتسكي ، ومجمل  الحرب العالمية الثانية ، وإقامة أنظمة ستالينية في أوروبا الشرقية ، وإعادة استقرار الرأسمالية  في أوروبا الغربية واليابان  واندلاع الحرب الباردة ، وانتصار الثورة الصينية ، واندلاع الحرب الكورية وموت ستالين.

انعكست كل هذه الأحداث المضطربة في التطور السياسي للأممية الرابعة . وأدى اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939 على الفور إلى انقسامات داخل حزب العمال الاشتراكيين الأمريكي عندما قامت أقلية بزعامة جيمس برنهام وماكس شاختمان ومارتن آبرن بتنكر تصنيف الاتحاد السوفيتي بوصفه دولة عمال متدهورة إثر توقيع معاهدة عدم الاعتداء بين ستالين وهتلر في أغسطس  1939 .  وانتهى الصراع داخل حزب العمال الاشتراكي بانشقاق في ابريل  1940.  وساهم تروتسكي خلال الأشهر الأخيرة من حياته في  المناقشات التي دارت من خلال مجموعة كتابات  و هي من بين أعماله الأكثر تألقا وبعد نظر.

وتضمن ذلك الصراع الحرج  أكثر من  مجرد  خلاف على المفردات التي يجب استخدامها لتحديد الطبيعة الطبقية للدولة السوفيتية. وكان في قلب الخلاف مجموعة من أهم القضايا  الجوهرية حول المنظور التاريخي والسياسي مثل: هل كان هذا عصر ثورة اشتراكية ؟ هل  استنفذت الطبقة العاملة دورها التاريخي التقدمي وبرهنت عن عجزها عن خلق مجتمع اشتراكي؟وهل كانت البيروقراطية السوفيتية فئة طفيلية  نتجت عن مجموعة من الظروف الاستثنائية ، مثل تخلف الاتحاد السوفيتي وعزلته ونتيجة لهزائم الطبقة العاملة على الصعيد الدولي، أم كانت طبقة جديدة  حاكمة  لشكل من استغلال ما بعد رأسمالي لم تتوقعه الماركسية؟

وخلال فترة بضعة أسابيع من الانشاق في عام 1940  تصرف برنهام  من خلال منطق مفاهيمه النظرية والسياسية ورفض الاشتراكية  وتحرك بسرعة نحو مدار الإمبريالية الأمريكية . كما قطع شاختمان علاقته بالاشتراكية واتبع طريقاً أكثر تعرجاً. وعلى إثر رفضه  للدفاع غير المشروط عن الاتحاد السوفيتي ، حتى وهو يواجه غزو الجيوش النازية، أعلن شاختمان مبدأ الدفاع غير المشروط عن الديمقراطية البورجوازية حتى عندما يتضمن  هذا الدفاع  التعاون المباشر مع الهيئات السياسية والعسكرية والاستخباراتية للإمبريالية الأمريكية .

كما برز خلال الحرب  تيار تحريفي آخر وهو مجموعة " الأطروحات الثلاثة".  حاججت   مجموعة  الأطروحات الثلاثة بوجهات نظر موازية لآراء شاختمان  و قالت أن الرايخ الثالث دشن بداية مرحلة تراجع تاريخي عام أخرج الاشتراكية من واقع الإمكانيات السياسية . وادعت أن البشرية رجعت إلى الخلف مائة عام وعليها إعادة رسم مسار خطواتها . واعتبرت أن التحدي السياسي للعصر يتمثل في إعادة الديمقراطية البورجوازية والاستقلال الوطني .

لقد عكس بورنهام وشاختمان و التراجعيون  تحولاً في المزاج السياسي  ضمن فئات من الأنتلجنسيا اليسارية في الطبقة الوسطى كانت ضمن صيرورة  فصل نفسها عن الطبقة العاملة وعن منظور الثورة الاشتراكية . وبرز تظاهر آخر لتلك الصيرورة على شكل تيار تحريفي ضمن الأممية الرابعة  واستجاب  قائداه ميشيل بابلو وإرنست ماندل للانتصارات العسكرية السوفيتية ولإقامة أنظمة ستالينية في شرق أوروبا بإسناد دور ثوري للبيروقراطيات الستالينية وتذرعا بأن دول العمال المشوهة في شرق أوروبا ستكون بمثابة رائد أو منصات انطلاق لبلورة شكل الفكر السياسي الذي سيتم من خلاله تحقيق الاشتراكية على مدى عدة قرون . وقالا أنه ليس للأممية الرابعة دوراً مستقلاً ناهيك عن دور له أهمية تاريخية في هذه الصيرورة.

وفي  وقت مبكر من العقد الخامس في القرن العشرين حاول التيار البابلوي إجبار فروع الأممية الرابعة على حل منظماتها ودمجها ليس ضمن الأحزاب الستالينية وحسب بل ضمن أحزاب الديمقراطيين الاجتماعيين و البورجوازية. ومع حلول عام 1953 كفت الأممية الرابعة عن أن تكون منظمة متجانسة سياسياً. وبهدف تفادي تصفية الأممية الرابعة قام فصيل التروتسكيين الأورثوذوكس بقيادة جيمس . ب. كانون بإصدار رسالة مفتوحة  في نوفمبر 1953 أعلن فيها عن انشقاق  ضمن الأممية الرابعة وتشكيل اللجنة الدولية للأممية الرابعة وأدى هذا الانشقاق إلى إنهاء المرحلة الثانية من تاريخ الأممية الرابعة.

بدأت المرحلة الثالثة مع نشر الرسالة المفتوحة وانتهت بتعليق عضوية حزب العمال الثوري البريطاني في اللجنة الدولية في أوكتوبر 1985، والقطيعة النهائية  لكل العلاقات مع الانتهازيين من البريطانيين القوميين في فبراير 1986. إن هذه الحقبة تغطي عملياً كل الفترة التي تلت طفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية بأكملها، وتتضمن أحداثاً مثل الخطاب السري لخروتشيف ، والثورة المجرية ،و اندلاع موجة ضخمة من الصراعات المناهضة للاستعمار ( في فيتنام ، ومصر، والجزائر ، والكونغو) ، وإقامة نظام كاسترو في كوبا، وتدخل الولايات المتحدة في فيتنام وما ترتب عنه من حركة احتجاجات طلابية واسعة على امتداد العالم ، ومجازر الثورة المضادة في أندونيسيا 1965-1966، والثورة الثقافية في الصين ، والإضراب العام الفرنسي في مايو ويونيو 1968، وانهيار نظام بروتون وودز في أغسطس 1971،  والإطاحة بالرئيس سلفادور الليندي في سبتمبر 1973، والحرب العربية الإسرائيلية  في أوكتوبر 1973، وانتصار عمال المناجم البريطانيون على حكومة المحافظين في فبراير 1974 والثورة البرتغالية  في أبريل 1974، وانهيار الطغمة اليونانية في يوليو 1974 واستقالة الرئيس الأمريكي نيكسون في أغسطس عام 1974  وهزيمة الولايات المتحدة في فيتنام في مايو 1975، والثورة الإيرانية 1978-1979، ووصول تاتشر وريغان إلى السلطة في 1979 و 1980 وما نتج عن ذلك من إطلاق صيرورة ردة فعل  اجتماعية وسياسية .

وخلال تلك الفترة المتفجرة ،حيث كانت حركات الطبقة العاملة الجماهيرية القوية تطرح عملياُ إمكانية ثورة اشتراكية لم يفرض على اللجنة الدولية التعامل فقط مع الضغط الذي لا هوادة فيه من قبل الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية والستالينية ومن قبل النقابات والمنظمات المرتبطة بها حيث حاولت  المنظمات البابلوية المتحالفة مع البيروقراطيات آنفة الذكر ، وكذلك مجموعات واسعة من الراديكاليين البرجوازيين الصغار والمثقفين المعارضين للتروتسكية عزل اللجنة الدولية  و لقد جمعت بين التزوير المتواصل للنظرية الماركسية ومبادئ الأممية الرابعة مع سلسلة لا نهاية لها من الاستفزازات السياسية والتنظيمية. 

غطت كل من المرحلتين الأولى والثانية فترة خمسة عشرة سنة لكل منهما . واستمرت  المرحلة الثالثة التي انتهت مع انشقاق عام 1986 طوال  33 سنة .  أما المرحلة  الرابعة التي بدأت عام 1986 وماتزال مستمرة حتى يومنا فقد غطت  بدورها  33 سنة . إن انشقاق 1985- 1986 قد وقع تماماً في بالضبط منتصف تاريخ اللجنة الدولية الممتد على مدار 66 سنة. وإنه لمن المفيد تبيان الإختلاف  بين المرحلتين الثالثة والرابعة . فمن عام 1953 وحتى عام 1986 مارس الانتهازيون البابلويون ضغطاُ هائلاً على الأممية الرابعة من داخل وخارج فروع اللجنة الدولية للأممية الرابعة. لقد كانوا نبعاُ لا ينضب من فقدان التوجه السياسي والتحريض . وإذا استخدمنا مفردات اجتماعية نجد أن المنظمات البابلوية  كانت هي الوسيلة التي استخدمها وكلاء البيروقراطيات الإمبريالية ، والستالينية والاشتراكية الديمقراطية   لحشد فئات من البورجوازية الصغيرة الراديكالية المناهضة للماركسية سياسياً بهدف بلبلة اللجنة الدولية وعزلها. وعدا عن هذا فقد لعبت المنظمات البابلوية دوراً سياسياً هاماً في احتواء و حرف نهوض  الطبقة العاملة بين 1968 و 1975 الأمر الذي شدد من الضغط السياسي على اللجنة الدولية .

لعب الفرعان البريطاني والفرنسي في  اللجنة الدولية  دوراً حاسماً في التصدي لبابلو وماندل عام 1953.  وخلال الفترة ما بين 1961 و 1963 قادت رابطة العمل الاشتراكي البريطانية، مدعومة من الفرنسيين،  النضال ضد إعادة  التوحيد غير المبدأي بين حزب العمل الاشتراكي الأمريكي والبابلوين لكن في القسم الأخير من العقد السادس من القرن العشرين وعلى الرغم من المكاسب التنظيمية المدهشة بشكل مخادع فإن رابطة العمل الاشتراكي ومنظمة الشيوعيين الأمميين باشرا عملية مواءمة منظوريهما ونشاطهما مع الأوساط السياسية القومية المهيمنة الواقعة تحت سيطرة البيروقراطيات الستالينية و الديمقراطية الاجتماعية. وقد وقع  الانقسام بين هاتين المنظمتين في 1971 ضمن ظروف  لم يتم إيضاح التباينات السياسية بين  منظمة الشيوعيين الأمميين وبين رابطة العمل الاشتراكي.  إن تحول رابطة العمل الاشتراكي إلى حزب العمال الثوري ، الذي حدث بشكل كامل  على أساس اعتبارات تاكتيكية قومية ،  سرع الانحدار الانتهازي للفرع البريطاني.

أدى تركيز المنظمة البريطانية  المتصاعد على البعد القومي إلى ابتعاد أكثر جلاء عن برنامج التروتسكية وعن مبادئها. وكان هذا واضحاً بشكل خاص في التخلي عن نظرية الثورة المستمرة ومن خلال التوجه نحو البورجوازية الوطنية في البلدان الأقل تقدماً.

إن هذا المسار اليميني  والبابلوي من ناحية الجوهر قد ولد معارضة لدى كل من رابطة الشيوعيين الثوريين و فرع اللجنة الدولية للأممية الرابعة في سيريلانكا  ورابطة العمال في الولايات المتحدة .  وتعود أصول تلك  الفروع إلى المعارضة التي ظهرت داخل اللجنة الدولية للأممية الرابعة ضد إعادة الاتحاد مع البابلويين عام 1963 وهذا عامل حاسم أثر على التطورات اللاحقة في تلك الفروع. وكان الرفيق كيرتي بالاسوريا  وقيادة رابطة الشيوعيين الثورية قد عبروا منذ عام 1971 عن اختلافهم مع  رابطة العمل الاشتراكي البريطانية  بسبب دعمها لغزو الهند لباكستان الشرقية الذي أمرت به الحكومة البورجوازية بزعامة أنديرا غاندي لكن هذا النقد المبدأي تعرض للقمع من قبل المنظمة البريطانية دون مناقشته داخل اللجنة الدولية . وسعت  رابطة العمل الاشتراكي  لمعاقبة رابطة الشيوعيين الثوريين عن طريق عزل المنظمة السريلانكية بشكل كامل وإخضاع قادتها لعمليات تحريض خبيثة .

وتضمن تطور المعارضة داخل رابطة العمال  صيرورة كانت بشكل ما أطول و أكثر تعقيداً . كما أن إبعاد وولفورث عن موقع السكرتير الوطني (وقد انضم وقتها  الى حزب العمال الاشتراكي مرة أخرى)  جعل من الممكن تأهيل كادر المنظمة بشكل كامل على قاعدة  تاريخ الحركة التروتسكية. كما أن إطلاق التحقيق في الظروف التي أحاطت باغتيال ليون تروتسكي ، المعروف تحت عنوان الأمن والأممية الرابعة،  لعب دوراً حاسماً في تطور رابطة العمال  وهو مثل ، وبتعبير واقعي وموضوعي ، هجوماً  سياسياً من قبل الحركة التروتسكية ضد وكلاء الثورة المضادة في كل من الدول الرأسمالية  وضد البيروقراطيات الستالينية .

أدى التطور الذي أنجزته رابطة العمال بعد 1974 إلى تحضيرها  للصراع السياسي الذي بدأ عام 1982 عندم تم في البداية طرح التباينات مع حزب العمال الثوري . وخلال المرحلة الأولى من هذا الصراع بدت رابطة العمال معزولة تماماً. لكن في خلال مدة تجاوزت بقليل ثلاث سنوات ربحت المعارضة التروتسكية لسياسات حزب العمال الثوري البابلوية  أغلبية حاسمة ضمن اللجنة الدولية . إن التحول الذي حدث ضمن اللجنة الدولية  بين أغسطس 1985 و فبراير 1986 يستحق أن يقارن بثورة سياسية .

و إذا أخذنا بالاعتبار أنه خلال  ما  يسمى  " بالمؤتمر العاشر للجنة الدولية" في يناير 1985 قطع قادة حزب العمال الثوري الطريق أمام أي نقاش حول الخلافات التي طرحتها رابطة العمال خلال السنوات الثلاث السابقة حيث اقتصرت وثيقة وجهات النظر التي أعدها حزب العمال الثوري  للمناقشة في المؤتمر على تصريحات صاخبة غير مترابطة  وصفتها اللجنة الدولية محقة في وقت لاحق بأن الطريقة التي خان فيها حزب العمال الثوري التروتسكية هي " حماقات كليف سلاوتر العشرة".

سعى هيلي وباندا وسلاوتر لإخفاء إفلاسهم السياسي  من خلال اطلاق سلسلة التحريضات السياسية ضد فروع اللجنة الدولية. و لكن مع نهاية عام 1985 تمكن التروتسكيون الأورثوذوكس المدافعون عن نظرية الثورة المستمرة من استعادة السيطرة على اللجنة الدولية أخيراً وعلقوا عضوية حزب العمال الثوري فيها.

وعند دراسة تاريخ صراع 1982- 1986  من الجوهري الإقرار بالتداخل المعقد بين الصراع الحزبي الداخلي وبين السياق التاريخي والسياسي والثقافي والاجتماعي الأكثر اتساعاً الذي جرى الانقسام في إطاره ( وكان الانقسام تعبيراً سياسياً مرتفع الوعي عنه).

إنه لمن غير الممكن فهم أحداث 1982- 1986 بشكل حقيقي  بشكل منفصل عن ذلك السياق الأوسع. بل أنه حتى العنصر الأكثر تجريداُ من التباينات  التي ظهرت بين رابطة العمال وحزب العمل الثوريين ، ونقصد تلك المتعلقة  بالفلسفة و بالمنهج الدياليكتيكي،  كانت مرتبطة بالتطورات التي حدثت خارج اللجنة الدولية للأممية الرابعة. ومع ذلك فإن " ممارسة المعرفة " النيوهيجلية الباطنية والمشوشة التي قام بها هيلي  يمكن أن تبدو تعبيراً عن انسحابه من المادية الفلسفية  وتبنيه منهجية تتصف بقدر عال من الذاتية والإرادوية  تكررت في العديد من العناصر المعادية للنظريات الماركسية التي سادت بين صفوف المثقفين البورجوازيين الصغار في أعقاب 1968.

إن  تطوير نقد تحريفات هيلي للماركسية عام 1982  بهدف إعادة تركيب الصيرورة النظرية- الفكرية لقطيعة ماركس وإنجلز بين 1843 و 1847 مع الهيجيليين اليساريين ومع المفهوم المادي  الذي صاغوه حول التاريخ  مثل ضرورة. ادعى هيلي أنه يجب أن يتم فهم تاريخ البشر بوصفه   " نمو العنصر الخلاق ، أي المبادرة البشرية ، لدى كل من أرباب العمل والطبقة العاملة"  [7] ولا ضرورة للإشارة إلى فقرات لا تنتهي أحيت وأضفت سحراً بطريقة بشعة حقاً على المثالية الذاتية لليسار الهيجلي وخدمت أهداف سياسية محددة أي التخلي عن برنامج سياسي  قائم على تثبيت الاستقلال السياسي للطبقة العاملة . ومع حلول عام 1983هاجم كليف سلاوتر تركيز  رابطة العمال الشديد على هذا الاستقلال السياسي. وليس من الصعب تقديم أمثلة لا تحصى من كتابات نظرية  بورجوازية صغيرة المحتوى  ومعادية للماركسية خلال تلك الفترة هاجمت كل من المادية الماركسية  وتركيزها على الدور الثوري للطبقة العاملة.

وبهدف تقديم مثال واحد معروف جيدا هو كتاب الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية ،الذي كتبه إرنستو لاكلاو وشانتال موفيه وصدر عام 1985 عن دار فرسو البابلوية وكان مسخراً بالكامل لتثبيت نقد كليف سلاوتر  عام 1983 الموجه إلى رابطة العمال بسبب تركيزها الشديد جداً على الطبقة العاملة. لقد كتبا:  "إن المأزوم حالياً هو مفهوم الاشتراكية بكليته الذي يتشبث بالدور المركزي الوجودي للطبقة العاملة..."  أنا متأكد أن لاكلاو وموفيه لم يعرفا أي شيء حول رسالة سلاوتر العائدة لعام 1983 ولا أظن أن سلاوتر تحاور معهما حول نقدي لحزب العمال الثوري . لكن مع ذلك فإن كل من سلاوتر ولاكلاو وموفيه عبرعن مفاهيم فكرية وسياسية كانت منتشرة بين فئات واسعة من المنظرين  المناهضين للماركسية من البورجوازية الصغيرة .

إن معارضة رابطة العمال لم تبرز بشكل آلي من تطور أزمات الستالينية و الديمقراطية الاجتماعية و النزعة القومية البورجوازية وإعادة الهيكلة الشاملة في العالم الرأسمالي لكن  من المؤكد أن هذا أوجد علاقات جديدة بين القوى الاجتماعية كما أوجد مناخ أكثر ملاءمة بالنسبة للتروتسكيين الأرثوذوكس وساهم في النصر على الانتهازيين المناهضين للتروتسكية وعلى المرتدين.

ومع ذلك فإن هزيمة حزب العمال الثوري وطرد الانتهازيين من اللجنة الدولية لم يكن بالعملية المبرمجةً بشكل مسبق ولا آلية بل كان صراعاً تم خوضه بشكل واع وعن عمد، لكن اندلاع الصراع والشكل الذي اكتساه تحددا على أساس عوامل تاريخية مارست تأثيراً هائلاً على الوعي السياسي  لدى قيادة رابطة العمال وكوادرها.

ومن الواضح أنه خلال  نقدنا  لدراسات هيلي في وثائق المادية الدياليكتيكية كنا مستندين بشكل واع تماماً إلى كامل التراث النظري للحركة الماركسية ورجعنا عبر كل الطرق التي تفضي  إلى منابعها الأصلية.

وعدا عن هذا كنا ندرك  من شاهق الإرث الفكري والسياسي لليون تروتسكي الذي حافظ من خلال أعماله على المبادىء والمثل العليا لثورة أوكتوبر 1917 وطورها . إن "الأسس التاريخية والأممية لحزب المساواة الاشتراكية" التي تم تبنيها في مؤتمره التأسيسي عام 2008 طرحت موجزاً مختصراً لمكانة تروتسكي في التاريخ:

" لم يقتصر الأمر على أنه شريك في قيادة ثورة أوكتوبر ، وعلى أنه المعارض العنيد للستالينية ، وأنه مؤسس الأممية الرابعة بل كان آخر وأعظم ممثل للتقاليد السياسية والفكرية والثقافية والأخلاقية للماركسية الكلاسيكية التي ألهمت حركة العمال الجماهيرية الثورية التي ظهرت خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين. وهو طور مفهوماُ للنظرية الثورية متجذراً في المادية الفلسفية، موجهاً لإدراك الواقع الموضوعي ، ومستهدفاً تعليم الطبقة العاملة وتنظيمها سياسياً ، ومنشغلاً على الصعيد الاستراتيجي  بالصراع الثوري ضد الإمبريالية. "  [8[

إن كتابات تروتسكي التي درسناها بدأب فضحت طبيعة خيانة ستالين لثورة أوكتوبر وطورت التوجه الاستراتيجي والأسس البرامجية للثورة الاشتراكية في العالم المعاصر. كما أننا حصلنا على إلهام سياسي ومعرفة حقيقية  من الأعمال الرائدة لحزب العمال الاشتراكيين تحت قيادة الثوري الأمريكي العظيم جيمس. ب. كانون.

لم يكن من الممكن تشكيل اللجنة الأمريكية للأممية الرابعة ولا تأسيس رابطة العمال عام 1996 من غير  النضال الذي خاضته رابطة العمال الاشتراكيين في بداية العقد السادس من القرن العشرين  ضد إعادة اتحاد غير المبدئي بين حزب العمال الاشتراكيين تحت قيادة جوزيف هانسن والسكرتارية الدولية البابلوية . إن أولئك الذين التحقوا برابطة العمال في بداية العقد السابع من القرن العشرين قاموا بدراسة ، وأقصد دراسة معظم الوثائق المنشورة في المجلدات الأربع الأولى من مجموعات النسخة التروتسكية من التحريفية،وكان هذا هو العنصر الأهم في تاريخ الفرع البريطاني  الذي لم تتخل عنه رابطة العمال أبداً.

ويجب التشديد على أن رابطة العمال كان لديها منذ الأيام الأولى توجه حازم نحو الطبقة العاملة . وعلى الرغم من كل الصعوبات التي واجهتها كانت رابطة العمال مشبعة بالثقة بالدور الثوري للطبقة العاملة الأمريكية.  وكان هذا هو التعبير عن أفضل تقاليد النزعة المرتبطة بجيمس ب كانون .

إن التاريخ السياسي لرابطة العمال والعمل النظري- السياسي للفرع ساهم في رفع  وعي قيادة رابطة العمال، المشبعة بتاريخ ومبادىء الحركة التروتسكية،  بالصيرورات الاقتصادية الموضوعية وبالأحداث السياسية. وتمخض هذا عن عدم رضا وعدم توافق مع المسار الذي اتبعه حزب العمال الثوري. 

ونظراً لامتلاكها ميزة القدرة على مراجعة مرحلة تقارب الأربعين عام يمكن لنا إدراك  أن الصراع الذي أطلق على أساس هذا النقد ، والذي انتهى بتعليق عضوية حزب العمال الثوري في اللجنة الدولية في ديسمبر  1985  وقطع للعلاقات بشكل كامل في فبراير 1986 ، كان حدثاً حاسماً في تاريخ الحركة الماركسية العالمية .كان مصير الأممية الرابعة على المحك . فباستثناء اللجنة الدولية  نجد أن البابلويين قاموا بعملية تصفية سياسية للحركة التي أسسها ليون تروتسكي . و قد دمر البابلويون المنظمات التروتسكية في كل البلاد التي تمكنوا من امتلاك سيطرة تنظيمية فيها من خلال تحويلها إلى حالة تبعية سياسية مرتبطة بالمنظمات الستالينية و الديمقراطية الاجتماعية و البرجوازية القومية. وبحلول عام 1985 كان حزب العمال الثوري، الذي   استسلم  وقتها أمام البابلوية ،  قريباً من اتمام عملية تحطيم مماثلة . وكما اكتشفنا لاحقاً وعد هيلي ، عبر اتصالات سرية، بوضع كل إمكانيات حزب العمال الثوري تحت تصرف كل من الأنظمة البورجوازية القومية في الشرق الأوسط والبيروقراطيين في نقابات العمال البيروقراطية في بريطانيا.

وبطبيعة الحال كان لا بد من بذل الجهود لإعادة بناء الحركة التروتسكية .  وأنا متأكد أنه في كل فروع اللجنة الدولية كان هناك رفاق مخلصين للتروتسكية ظلوا مصرين على إعادة بناء الأممية الرابعة لكن جهودهم قد تم تكبيلها  نتيجة فقدان التوجه الذي تلا انهيار حزب العمال الثوري بدون  توفر تحليل عالي التطور للأسباب الكامنة وراء أزمة 1985. ففي الواقع كان وجود النقد المفصل المكتوب الذي طورته قيادة رابطة العمال ما بين 1982 و 1984  للدجل النظري لجيري هيلي ولاستسلام حزب العمال الثوري  للتحريفية البابلوية مهماً وكذلك دحض كذبة كليف سلاوتر المثيرة للسخرية  بأن الأزمة السياسية في حزب العمال الثوري لم تكن سوى عنصر في " تنكس متساو" اللجنة الدولية بأسرها. ولو لم تتمكن اللجنة الدولية للأممية الرابعة من النجاة وتجاوز أزمة  1985-1986 لما كان هناك اليوم في العالم حزب ماركسي أممي موحد سياسياً وثوري.

لم يقتصر الأمر على تجاوز اللجنة الدولية الأزمة بل إنها برزت بعد الانقسام بوصفها منظمة أشد قوة بكثير. وتبدو دلالة انقسام 1985- 1986 عندما يقوم المرء بمقارنة  تطور اللجنة الدولية خلال 33 عاماً سابقة للانقسام، مع تطورها السياسي  بعد القطيعة مع حزب العمال الثوري حيث  أدت الهزيمة الحاسمة للانتهازية البابلوية وطردها إلى خلق ظروف لتطور نظري وسياسي وتنظيمي هائل للجنة الدولية للأممية الرابعة. إن العمل على الإيضاح النظري والسياسي الذي صار ممكناً بعد طرد الانتهازيين القوميين لم يدل على ما هو أقل من نهضة التروتسكية.

وبين 1982 و 1986 دافع التروتسكيون الأورثوذوكس عن الموروث السياسي للأممية الرابعة .  إن الأحداث العالمية التي تلت الانقسام كشفت  الدلالة التاريخية  الجوهرية للدفاع عن المبادىء التروتسكية  وبرنامجها، و نحن نعرف الآن ، بطبيعة الحال ، أن انقسام 1985-1986 أنذر بحدوث تبدلات سياسية شاملة، و تبدلات جيوسياسية واجتماعية- اقتصادية هائلة.

سعى حزب العمال الثوري بعد  انفصاله عن  التروتسكية  إلى التوصل إلى حلفاء جدد بين صفوف القوميين البورجوازيين ، والديمقراطيين  الاجتماعيين الإصلاحيين ، والأحزاب الستالينية ونظر إلى فروع اللجنة الدولية الأصغر بازدراء . ما هي الحاجة إلى " الجماعات التروتسكية الصغيرة " ( هذه جملة  استخدمها هيلي بتواتر متصاعد باستمرار خلال السنوات التي سبقت الانقسام ) لم يكن بإمكان المرتدين تصور أنه خلال خمس سنوات بعد انقسام 1986 أن كل الأنظمة الستالينية  في أوربا الشرقية وفي الاتحاد السوفيتي ستتفكك وأن المنظمات الجماهيرية الستالينية ستتحول إلى قطع متناثرة الأمر الذي أكد صحة نبوءة تروتسكي خلال تأسيس الأممية الرابعة عام 1938 حين قال "إن الأحداث العظيمة المتسارعة التي سيشهدها الجنس البشري لن  تترك  حجراً على حجر من هذه المنظمات التي  قد تجاور عمرها".

إن هيلي الذي انحدر إلى حالة حطام مثير للشفقة مضى إلى قبره في ديسمبر من عام  1989 وهو ما يزال مصدقاً أن بطله ميخائيل غورباتشيف  كان يقود ثورة سياسية. و في خضم الاضطرابات التي تلت الانقسام ، لم تكتف اللجنة الدولية بإصلاح الأضرار التي تسبب بها المرتدون  بل كان عليها تنفيذ  مهمة تجديد نظري وسياسي بعيد المدى للأممية الرابعة.  لم يمكن من الممكن التصدي لهذا التحدي من خلال حصر أنفسنا في تكرار الصيغ والشعارات  السياسية المعتادة بل  كان من الضروري  تطبيق المنهج الماركسي بطريقة خلاقة ومبدعة من خلال عكسه عبر موشور التجربة التاريخية  بهدف تحليل أحداث لا سابقة لها  ولا يوجد إجابات جاهزة لها.   

ويمكن الإشارة إلى مدى اتساع العمل النظري الذي قامت به اللجنة الدولية  والذي تضمن مراجعة محاضر  اجتماع الجلسات  الكاملة التي عقدتها اللجنة الدولية خلال السنوات الستة التي تلت الانقسام وهو واسع ويشمل:

انشغل الاجتماع الأول للهيئة العامة للجنة الدولية للأممية الرابعة ( 18 مايو- 9 يونيو 1986) بتحليل خيانة حزب العمال الثوري وأقر الاجتماع أن انهيار حزب العمال الثوري كان من نتاج الانتهازية . وخلال ذلك الاجتماع الذي استمر اسبوعين عملت مع الرفيق كيرثي على كتابة "كيف خان حزب العمال الثوري التروتسكية بين 1973 و 1985."

وقام الاجتماع الكامل  الثاني لهيئة اللجنة الدولية للأممية الرابعة ( 29 سبتمبر- 12 أوكتوبر 1986) بدراسة  وقع انتهازية حزب العمال الثوري على اللجنة الدولية  وطور نقداً" للإنتهازية التاكتيكية" التي حرفت تطوير المنظورات في فروع مختلفة من  اللجنة الدولية. كما قمنا بإعداد قرار حول الحزب الشيوعي الأممي في بريطانيا وبدأنا بإعداد منظوراً للرابطة الشيوعية الثورية في سريلانكا.

وقام الاجتماع الكامل الثالث ( 10-23 مارس 1987)  بتحليل العلاقات بين حزب العمال الثوري والحركة في سبيل الاشتراكية في الأرجنتين، و إعداد تصريح حول " ما يحدث في الاتحاد السوفيتي "كتبه بيل فان أوكن و نك بيمز حلل البريسترويكا والغلاسنوت. كانت مراجعة تاريخ الحركة في سبيل الاشتراكية  هامة ولا يقتصر هذا على  الأهمية الجوهرية لأحداث الأرجنتين بل لأن سلاوتر  وانصاره ادعوا  في أعقاب قطعهم العلاقات مع اللجنة الدولية  بأنه سيتم بناء  أساس جديد للأممية الرابعة من خلال التحالف مع منظمة بقيادة ناهويل مورينو الأرجنتيني  التحريفي سيء الصيت.

أما الاجتماع الموسع الرابع للجنة الدولية للأممية الرابعة ( 20 -27 يوليو 1987) فبدأ بمناقشة مسودة وثيقة حول المنظورات الدولية . أقر المندوبون أنه من الضروري بالنسبة للجنة الدولية للأممية الرابعة ، وبالتعارض مع التخلي العام عن الماركسية بل وعن أهم المبادىء الأساسية للصراع الطبقي، تحديد القوى المحركة الموضوعية التي ستضع الأسس الاقتصادية والجيوسياسية الشاملة  لموجة جديدة من النضال الثوري من قبل الطبقة العاملة العالمية .

وتم عقد الاجتماع الكامل الخامس للجنة الدولية للأممية الرابعة في ظل ظروف تحققت  فيها دلائل على  صحة توقيت العمل حول المنظورات  مثل  انهيار الأسواق العالمية  الذي حدث في التاسع عشر من أكتوبر 1987 حيث سبق صياغة القاعدة النظرية لهذا الحدث من خلال العمل الذي نفذ بعد الاجتماع الكامل الرابع للجنة الدولية للأممية الرابعة وتناول عولمة الإنتاج  والصراع المتصاعد بين السوق العالمية  ونظام الدولة القومية . كما طور الاجتماع المزيد من تحليل مهام الرابطة الشيوعية الثورية وأصدر تصريحاً حول الولايات المتحدة الاشتراكية في سيريلانكا وتاميل عيلام.

وتم عقد الاجتماع السادس الموسع للجنة الدولية للأممية الرابعة ( 9-13 فبراير 1988) بعد بضعة أسابيع من موت  كيرثي  بالاسوريا المفاجىء والمبكر عن 39 عام  في الثامن عشر  من ديسمبر 1987. وركز الاجتماع على العلاقة بين الاستراتيجية الأممية  والتاكتيكات القومية في عمل فروع اللجنة الدولية للأممية الرابعة .

وقام الاجتماع السابع للجنة الدولية للأممية الرابعة ( 23-26 يوليو 1988) بتبني المنظورات الأممية  بالإجماع.

كما قام الاجتماع الموسع الثامن للجنة الدولية للأممية الرابعة ( 15-24 يونيو 1989) بمراجعة تطور اللجنة الدولية منذ انقسام 1985-1986 وناقش أزمة نظام غورباتشيف المتفاقمة وقرر أن علي السفر إلى الاتحاد السوفيتي .

و قام الاجتماع التاسع الموسع للجنة الدولية للأممية الرابعة بمراجعة الأحداث في أوروبا الشرقية وبشكل خاص وضع جمهورية ألمانيا الديمقراطية . وقدمت أنا تقرير عن رحلتي إلى الاتحاد السوفيتي في نوفمبر تضمنت  محاضرة  في معهد الأرشيف التاريخي في موسكو حضرها 200 شخص.

وركز الاجتماع العاشر للجنة الدولية للأممية الرابعة ( 6-9 مايو 1990) على الدلالة السياسية والتاريخية لتفكيك جمهورية المانيا الديمقراطية .

في حين أجرى الاجتماع الموسع الحادي عشر للجنة الدولية للأممية الرابعة ( 5-9 مارس 1991) نقاشاً موسعاً حول اجتياح الولايات المتحدة العراق وقررت اللجنة الدولية للأممية الرابعة عقد اجتماع دولي  ضد الإمبريالية والحرب في وقت لاحق من ذلك العام .  وأصدرت اللجنة الدولية للأممية الرابعة في أعقاب الاجتماع الموسع  بيان شرح دلالة حرب الخليج وطرح القاعدة البرامجية للمؤتمر الدولي الذي عقد فعلياً في شهر نوفمبر .

وقام الاجتماع الثاني عشر للجنة الدولية للأممية الرابعة (11-14 مارس 1992) بتفحص تفكيك اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ضمن سياق تاريخ الحركة الاشتراكية الدولية ، وبدأ الاجتماع بتقريري الذي حمل عنوان "النضال في سبيل الماركسية ومهام الأممية الرابعة".

وكما يفترض أن يكون واضحاً من هذه المراجعة للاجتماعات الإثني عشر التي عقدت خلال السنوات الستة التالية للانقسام نتبين أن نطاق عمل اللجنة الدولية للأممية الرابعة كان هائلاً . ويجب علي الإشارة إلى أن المختصر الموجز لكل واحد من هذه الاجتماعات الموسعة شمل بالكاد مجموعة كاملة من الأحداث والخبرات السياسية التي تم مراجعتها خلال هذه الاجتماعات السياسية المكثفة. فعلى سبيل المثال  شهد العديد من هذه الاجتماعات نقاشات موسعة حول التطورات في سيريلانكا  الأمر الذي كان هاماً في ما يتعلق بتطوير استراتيجية الثورة المستمرة وإعادة تقييم موقف الأممية الرابعة من المطالبة  بحق  تقرير المصير القومي . ومع حلول موعد إطلاق موقع الاشتراكية العالمية عام 1998 كان قد تم عقد خمس اجتماعات أخرى حيث ناقش الاجتماع الخامس عشر الذي عقد في أغسطس 1995 مبررات تحويل الروابط إلى أحزاب وتداعيات ذلك  في حين أن الاجتماع الثامن عشر الذي عقد في يتاير 1998 أعطى الإشارة النهائية لإطلاق موقع الاشتراكية العالمية.

وخلال كل هذا العمل كانت  الماركسية الأممية هي المبدأ السياسي الأساسي الذي أرشد جهودنا . نحن ركزنا   على أولوية الاستراتيجية العالمية  على حساب التاكتيكات الوطنية وعلى أن الاستجابة الملائمة للمشاك التي تبرز ضمن المجال الوطني يمكن التعامل معها فقط على قاعدة تحليل الصيرورات الشاملة . وبالاستناد إلى هذه القاعدة كانت اللجنة الدولية  قادرة على تطوير مستوىً من التعاون الدولي لم يكن قائماً خلال كل تاريخ الأممية الرابعة. وفي حقيقة الأمر فإن كلمة " تعاون"  لا تغطي بشكل كاف طبيعة التفاعل بين فروع اللجنة الدولية للأممية الرابعة التي تطورت في أعقاب القطيعة مع  المرتدين القوميين في حزب العمال الثوري .  وبالرجوع مجدداً إلى تقريري في 25 يونيو 1989 نقرأ:

إن نطاق هذا التعاون الدولي ، وتأثيره المباشر على كل جوانب الممارسة العملية لكل فرع  قد غيرا  سمة اللجنة الدولية  للأممية الرابعة وفروعها  بشكل عميق وإيجابي حيث كفت  الفروع  عن أن تكون كيانات مستقلة  بأي معنى سياسي وعملي . وبناء على تأسيس برنامج سياسي مشترك برزت شبكة علاقات معقدة ضمن اللجنة الدولية للأممية الرابعة  ربطت الفروع في ما بينها. وعلى هذا فإن فروع اللجنة الدولية للأممية الرابعة  تشمل مكونات  مترابطة في ما بينها ومتداخلة من جسد سياسي واحد .  وإن أي قطع لهذه العلاقة سيتسبب بنتائج مدمرة داخل الفرع المعني .  والآن أضحى كل فرع مرتبطاً في بقائه بالاستناد على التعاون الدولي والتضافر على المستويين الإيديولوجي والعملي.[9[

إن الإنجازات التي تحققت على نطاق البرنامح والمنظور والتنظيم بين 1986 و 1992  قد مهدت الطريق لتحول روابط اللجنة الدولية للأممية الرابعة إلى أحزاب في 1995- 1997 ولإطلاق موقع الاشتراكية  العالمية  عام 1998.

إن التقدم الذي حققته اللجنة الدولية خلال ثلث قرن برهن عما يمكن أن تنجزه الأممية الرابعة  عندما تكون قادرة على طرد الانتهازيين وعلى تطوير حركة ثورية على أساس المبادىء الماركسية .

في خطابه في 18 أوكتوبر 1938  راجع تروتسكي  العمل الذي حضر لتأسيس أممية جديدة:

إن البلاشفة اللينينيين الرواد الأمميين، رفاقنا عبر العالم  بحثوا عن طريق الثورة بوصفهم ماركسيين أصلاء ولم يتعلق الأمر بمشاعرهم وأمانيهم بل بتحليل المسار الموضوعي للأحداث.  وكنا قبل كل شيء  نسترشد بالإهتمام لا بتخييب أمل الآخرين بل بعدم خداع أنفسنا . بحثنا بجدية واستقامة ، واكتشفنا بعض الأمور الهامة.  وقد أكدت الأحداث صحة تحليلنا وتوقعاتنا. ما من أحد يستطيع إنكار هذا . والآن صار من الضروري أن نكون مخلصين لبرنامجنا ولذواتنا . وهذا ليس بالأمر السهل لأن المهام ضخمة والأعداء لا يمكن إحصاء عددهم. ولن يكون لدينا الحق في قضاء وقتنا والاهتمام في الاحتفال بالذكرى السنوية إلا بقدر ما نتمكن من تسخير دروس الماضي لتحقيق المستقبل  . [10[

عندما سجل تروتسكي هذا الخطاب كان يقوم  بمراجعة نتائج 15 عام من العمل السياسي والنضال من 1923  وحتى 1938. ونحن نراجع الآن مرحلة استمرت أكثر من ضعف تلك الفترة من الزمن وبلغت 33 عام . وما تزال كلمات تروتسكي محتفظة بدلالتها بقوة . لكننا وجدنا بدورنا " بعض الأمور الهامة" خلال مسار تجاوز عقود ثلاثة ، ولا مجال للشك بأن " الأحداث أكدت صحة تحليلنا وتنبؤنا".

هل هناك حزب سياسي آخر في العالم  يهتم ، أو يجدر بي قول يجرؤ،  على أن يقارن تحليله السياسي والتنبؤ الذي ضمته وثائق مع الثائق مكتوبة من قبل اللجنة الدولية  بين 1986 و 1992؟    من من بين أكاديميي الجامعات  وأخصائيي خزانات الفكر  قيم بشكل صحيح بريسترويكا  وغلاسنوت غورباتشيف ، ناهيك عن توقع تفكك الأنظمة الستالينية بين 1989-1991؟ 

وكما هو حال البابلويين الذين لم يفهموا شيئاً  ولم يتوقعوا شيئاً . فمنذ عام 1951 أصر  إرنست ماندل جنباً إلى جنب مع ميشيل بابلو على أن البيروقراطية الستالينية  ستقود الاتحاد السوفيتي والأنظمة الدائرة في فلكه في شرق أوروبا إلى الاشتراكية . وهو أشاد بغورباتشيف بوصفه  تجسيداً لمنظوره الموهوم . وقد أورد كاتب سيرة حياة ماندل في الكتاب الذي حمل ما هو أبعد من البريستروكيا :مستقبل الاتحاد السوفيتي في ظل غورباتشيف ، دراسة حول الغلاسنوت والبريسترويكا نشر في وقت واحد في كل من لندن وباريس رسم فيه ماندل أربع سيناريوهات محتملة لما قد سينتج عن اعدادات غورباتشيف لكن لم يكن  هناك ولا كلمة واحدة حول إمكانية  إعادة الرأسمالية. [11[

وفي حين كان ماندل يحدق بالكرملين مقر غورباتشيف ويرى قوس قزح  متوهجاً فوقه كانت  اللجنة الدولية ترى  الهاوية تقترب . ففي التقرير الذي قدم إلى أعضاء رابطة العمال في مدينة ديترويت في 25 يونيو 1989 قلت :

إن كل خصومنا المرتدين بل وكل البابلويين يشتركون في أنهم يهاجمون اللجنة الدولية  التي تكلمت عن إعادة الرأسمالية إلى الاتحاد السوفيتي، وإلى شرقي أوروبا والصين  . وهم يصرون على أن البيروقراطية لا تستطيع تحمل تبديلاُ في علاقات الملكية ويتحججون بأن البيروقراطية تستند إلى علاقات ملكية الدولة التي أقيمت إما عام 1917 أو بعد الحرب العالمية الثانية  وأنها متجذرة فيها. لقد مثل هذا تشويهاً كاملاً لموقف تروتسكي. فقد سبق أن حذر تروتسكي مراراً وتكراراً  أنه إن لم يتم الإطاحة بالبيروقراطية من قبل الطبقة العاملة فإنها ستتحرك حتماُ باتجاه إعادة  علاقات المْلكية الرأسمالية   [12.[

تم تقديم هذا التقرير بالتحديد بعد ثلاثة أسابيع فقط من مجزرة ميدان تيانمين في الصين  وقبل أكثر بقليل من ثلاثة أشهر من بروز الأزمة السياسية في ألمانيا الشرقية التي أدت تفكك سريع لجمهورية ألمانيا الديمقراطية. وحتى في ذلك الحين تم رفض تحليل اللجنة الدولية بوصفه نواح لطائفة سياسية . لكن هذه " الطائفة"  حظيت بأفضلية لا مثيل لها لاستنادها في تحليلاتها على العمل النظري لليون تروتسكي.

هم لم يفهموا شيئاً عن طبيعة الأنظمة الستالينية ولهذا لم يتوقعوا تفككها ، وأثبت منظرو البورجوازية عن عجز لا يقل عن هذا من خلال صياغة تحليلاتهم  حول مسار سياسات العالم في أعقاب 1989- 1991 . و ليس من الضروري مراجعة نظرية فوكوياما حول " نهاية التاريخ" التي لم يعد يتعامل أحد معها بجدية منذ سنوات بما في ذلك مبدعها الذي أعلن على الملأ تراجعه عن الفكرة التي اختلقها . وكذلك  هو الحال مع كتاب الراحل  اريك هوبسباون ( القرن العشرون القصير) حيث تم دحض ردة فعل هذا الانطباعي تجاه تفكيك الاتحاد السوفيتي بالواقع الجلي لتعدد أزمات القرن الجديد  بشكل مشابه لأزمات مؤلمة القرن المنصرم.

إن النظريات المزورة  تتسبب بتداعيات .  إن الانتصار الشامل للديمقراطية  القائمة على الرأسمالية الذي توقعوه المنظرون الليبراليون  فشل في التحول إلى حقيقة ملموسة.. إن أحلام اليقظة الخاصة بالديمقراطية التي شهدها عام 1991  قد تحولت أمام الكابوس الفاشي  لعام 2019. فبعد ما يقارب 75 عام على انهيار الرايخ الثالث  بزعامة هتلر نجد أن الفاشية صارت قوة سياسية متنامية عبر أرجاء العالم. ففي الولايات المتحدة يستخدم ترامب لغة لم يستخدمها  من قبل  أي رئيس أمريكي ، علناً على الأقل، و خطبه ، ناهيك عن تغريداته اليومية، تكتسب سمة فاشية علنية .

و في بلدان أوروبا الشرقية نجد أن الأحزاب القومية المعادية للأجانب مهيمنة على الوضع. وفي أيطاليا لا يخفي نائب رئيس الحكومة ماثيو سالفيني إعجابه ببينيتو موسولليني . وفي ألمانيا نفسها بالتحديد وبعد 30 عام على إعادة التوحيد يهيمن انبعاث الفاشية على الحياة السياسية. فعلى الرغم من وجود أغلبية معادية لليمين النازي الجديد  لكنه يتلقى دعماً منهجياً وسلطة  عبر مؤامرة تشارك فيها قوى لها وزن داخل الدولة وداخل المؤسسة السياسية ويعتبر حزب البديل الألماني الذراع  السياسي لهذه المؤامرة . كما أن حكومة تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي-  الاتحاد الاجتماعي المسيحي – الحزب الديمقراطي الاجتماعي هو راع سياسي  لهذه المؤامرة من خلال المناورة من وراء الستار لجعل حزب البديل الألماني  الحزب صاحب النفوذ الأقوى في ألمانيا  على الرغم من واقع  أنه لم ينل سوى 13% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة . إن شبكة الإرهابيين النازيين  التي حظيت بحماية الشرطة ووكالات الاستخبارات  عندما نفذت اغتيالات سياسية – كان آخرها اغتيال والتر لوبكه من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي – هي القوة شبه العسكرية للفاشيين .

إن لجنة صيانة الدستور ، وهي فرع من وزارة الداخلية ، هي الذراع القانوني لانبعاث النازية الجديدة . وإنه لمن الصعب  الجزم بدقة أين تنتهي لجنة  صيانة الدستور وأين يبدأ الإرهابيون المسلحون حيث   يقوم القتلة بتنفيذ عملياتهم  واثقين بشكل كامل من أن لجنة صيانة  الدستور ستزودهم بالغطاء القانوني الضروري . وفي أي حال،  والجانبان يتعاونان  في حربهما المشتركة للقضاء على معارضة الرأسمالية و الإمبريالية في ألمانيا.

في  الثالث والعشرين من مايو 2019 نشرت لجنة صيانة الدستور رداً من 56 صفحة على سؤال حزب المساواة الاشتراكية عن تصنيفه ضمن المنظمات التخريبية . وسيكون هناك لاحقاً في هذا الأسبوع تحليل أكثر تفصيلاً لجواب لجنة صيانة الدستور والرد القانوني والسياسي لحركتنا على هذا الهجوم على حقها الديمقراطي في ممارسة نشاط سياسي. إن وثيقة  لجنة  صيانة الدستور يستند بشكل واضح إلى عقائد قانونية  توتاليتارية  أدخلها النازيون  بعد وصولهم إلى السلطة عام 1933.  وهي تحيي عقيدة  ويلنسستريخت التي تجرم  و تفرض العقاب على كل الأفكار التي يمكن أن تتسبب  في لحظة غير معينة من المستقبل في تشجيع العداء والمعارضة السياسية  للدولة القائمة وللنظام الاجتماعي.

لم تنكر لجنة صيانة الدستور أن حزب المساواة الاشتراكية يمارس نشاطاته ضمن إطار القانون. فوفق مصادر لجنة صيانة الدستور  فإن الطابع الإجرامي لا يتعلق  بأفعال حزب المساواة الاشتراكية العلنية بل بأفكاره . وبشكل خاص لأنه يشجع استخدام مفاهيم وتصنيفات تضع الطبقة في مواجهة الأمة وهو يجهد  لتطوير بين صفوف الطبقة العاملة وعياً بمصالحها الاجتماعية  ، وهو يرعى العداء للرأسمالية ، وهو يدين الإمبريالية والنزعة العسكرية ويرفض أي صفقات مع الأحزاب السياسية الكبرى ومع النقابات . 

ولقد استند رد لجنة صيانة الدستور على مراجعة تفصيلية لبرنامج حزب المساواة الاشتراكية  وإلى تصريحاته المنشورة  وبشكل خاص تصريح المبادىْ  الصادر في 23 مايو 2010  حيث اقتبست منه  الإعلان التالي : "إن الهدف الاستراتيجي لحزب المساواة الاشتراكية وللجنة الدولية للأممية الرابعة هو تأهيل الطبقة العاملة وإعدادها للنضال الثوري ضد الرأسمالية  وإنشاء سلطة العمال وبناء مجتمع اشتراكي ( الصفحة  8من الرد) وشدد الرد على أن حزب المساواة الاشتراكية " يفهم نفسه بوصفه حزباً تروتسكياً  والذي يشير وفقًا لتوجهه الأيديولوجي ، في جميع كتاباته الأساسية قبل كل شيء إلى الثوري الروسي ليون تروتسكي  والحزب  يعلن ولائه لتعاليم تروتسكي  وبالإضافة إلى ذلك أن الجهة الشاكية ( حزب المساواة الاشتراكية)  تعتمد بشكل خاص على كارل ماركس وفريديش إنجلز ، وفلاديمير إيليتش لينين وروزا لكسمبورغ وكارل ليبكنخت. "  [Ibid, p. 9]

و خلصت لجنة صيانة الدستور :

أنه بناءً على تفكيره الماركسي حول مصطلح الطبقة ، والذي كما بينا لا يتوافق مع أفكار الدستور، وبناء على دعوته للصراع الطبقي فإن الجهة الشاكية تطالب بتجاوز " الرأسمالية " والإطاحة بها ولا يقتصر هذا على النظام الاقتصادي بل يتضمن الإطاحة بالنظام الديمقراطي الليبرالي الأساسي. فوفق التفسير الشيوعي  فإن " الرأسمالية"  تعتبر المشكلة الرئيسية  المسؤولة عن كل عجز سياسي. وعلى هذا فإن الشيوعية لا تكتفي بمعارضة جوهرية للرأسمالية بوصفها نظام اقتصادي بل وبوصفها نظام اجتماعي . إن الجهة الشاكية تقر بأنها تسعى  إلى إقامة دولة اشتراكية ونظام اجتماعي اشتراكي .  [Ibid, p. 22]

إن الافتراض الأساسي الذي يستند إليه هذا الاتهام  هو أن  الرأسمالية و " النظام الديمقراطي الليبرالي" هما صنوان متساوئان ومتكافئان . من المؤكد أنه يمكن ، وجهة النظر التاريخية ، الوصول إلى هذه الحجة لكن هذه المرافعة تقوض الادعاءات الديمقراطية لهذا "النظام".  نظراً لأن النظام الديمقراطي الليبرالي غير قابل للفصل عن الرأسمالية  فبالتالي هو يكف في لحظة ما عن أن يكون ليبرالياً طالما أن الليبرالية ، و هذا أمر إشكالي ، تتماهى مع الدفاع عن الحقوق الديمقراطية. ضمن إطار هذا التعريف فإن النظام الاجتماعي الأكثر رأسمالية هو الأقل ليبرالية.  وهذه نقطة صاغها بقوة الفيلسوف الأمريكي الليبرالي الشهير جون ديوي في مقال يعود إلى عام 1935 حمل عناون " الأزمة في الليبرالية ". و حاجج بأن الرأسمالية والليبرالية صارا غير متوافقين نتيجة للتطور الاقتصادي في المجتمع الحديث . وهو قد كتب:

"إن استيلاء على الموارد المادية للمجتمع من قبل عدد قليل هو أساس استيلاء هذه القلة على الموارد الثقافية والروحية لمصلحتها الخاصة في حين أنها ليست نتاج الأفراد الذين استولوا عليها بل نتاج عمل البشرية بشكل تعاوني . إنه لمن غير المفيد الحديث عن فشل الديمقراطية حتى أنه يتم  فهم  سبب فشلها وأنه جرى القيام بخطوات للوصول إلى نمط من التنظيم الاجتماعي يمكن أن يشجع توسع الذكاء ضمن المجتمع"  . [13]

إن رد لجنة صيانة الدستور مليء بالنفاق والخداع ولا يهتم بنظرية الديمقراطية . وهو لا يستمد إلهامه من جون ديوي بل من كارل شميث وجوزيف غوبلز . وهو يجادل بشكل واضح بأن المفاهيم الماركسية لا يمكن أن تكون مشروعة لأن معارضة الرأسمالية تقود حتماً إلى معارضة الأشكال القائمة للتنظيم السياسي والاقتصادي. كما أنه يشدد على العلاقة التي لا يمكن فصم عراها بين الدمقراطية والرأسمالية و المصالح الاقتصادية الخاصة .  وعلى رغم من إن تم الترويج للمفاهيم الماركسية والتروتسكية  بطرق مشروعة لكنها  تعزز شبح انقلاب ثوري ولهذا يجب حظر هذه الأفكار وقمعها .

كما أن إدانة حزب المساواة الاشتراكية للإمبريالية والنزعة العسكرية لا تقل خطورة بالنسبة للنظام القائم عن معارضة الحزب للرأسمالية . وقد اقتبست لجنة صيانة الدستور ملاحظات للرفيق كريستوف فاندراير  خلال مقابلة إذاعية في عام 2017 شرح فيها نضال الحزب ضد الحرب:

ما يجب عليك القيام به لتفادي الحرب  هو (خلق) حركة دولية اشتراكية . يجب على الجماهير نفسها التدخل بأتفسها في الأحداث السياسية . يجب عليها الإطاحة بالرأسمالية على المستوى الدولي  على قاعدة منظور اشتراكي وبناء مجتمع يتجاوز الدول- الأمة  ووضع حد  لتقسيم العالم إلى دول- أمم  ولأغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج . [Ibid, p. 34]

واللافت للنظر أن  رد لجنة صيانة الدستور أقر بشكل كامل  إن حزب المساواة الاشتراكية " يرفض أفعال العنف المنفصلة التي يقوم بها أفراد  وهذا بسبب أنها تتضمن مخاطر اللعب وفق قواعد الدولة الرأسمالية ." [Ibid,  p. 40] مع ذلك شدد التقرير على " أن هذا الرفض ينطبق فقط على ’الأفراد المتفرقين الذي يلجأون إلى العنف،’ لكن ليس على ’النضال الجماعي للطبقة العاملة’".

وقد شددت لجنة صيانة الدستور على أنه تحت أي ظرف لا يمكن اعتبار مثل هذه النضالات الجماهيرية مشروعة  ومتوافقة مع "النظام الديمقراطي الليبرالي" . أي أنه يتم حرمان الطبقة العاملة حتى من حق الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات الفاشية على الحقوق الديمقراطية . كما أدان رد اللجنة إعلان تروتسكي في البرنامج الانتقالي " عن ضرورة نشر فكرة ضرورة إنشاء مجموعات دفاع عن النفس عمالية ".   وقد تمت صياغة هذا الطلب عندما كان هتلر يحكم ألمانيا ، وموسوليني يحكم إيطاليا ، وفي وقت كان العمال المضربون في الولايات المتحدة  يواجهون بشكل منتظم فرق من الفاشيين جيدي التسليح ناهيك عن قوات القمع التابعة للدولة الرأسمالية.

كما أدانت لجنة صيانة الدستور موقع الاشتراكية العالمية لأن مقالاته تسعى بوضوح  لمنح القراء " توجهاً اشتراكياً"على أساس " تحليل ماركسي" [Ibid, p. 48] وقد أشارت إلى دار نشر مهرينغ وهي ذراع نشر وثائق حزب المساواة الاشتراكية حيث أشارت الوثيقة إلى أن " الدار تنشر فيما تنشره ترجمات ألمانية لأعمال تروتسكي و أعمال دافيد نورث.  [Ibid, p. 48]

كان حزب المساواة الاشتراكية واللجنة الدولية للأممية الرابعة  هما الهدف الرئيس والمباشر لهجوم لجنة صيانة الدستور على الحقوق الديمقراطية . إن محرري النص لم يكونوا جاهلين سياسيا  ، ودرسوا بشكل واضح و بعناية وبتفصيل كبير وثائق حزبنا ناهيك عن أعمال تروتسكي ومنظري الاشتراكية العظماء وصولاً إلى ماركس وإنجلز.  وقد بينت لجنة صيانة الدستور بجلاء  أنها ترى في حزب المساواة الاشتراكية واللجنة الدولية للأممية الرابعة حاملين نموذجيين للاشتراكية الماركسية المعاصرة.   لكن التداعيات القانونية  للنص تتجاوز أفكار حزبنا . إن إدخال مفهوم حق فرض العقوبة على النوايا  يهدف إلى تجريم كل شكل من معارضة الرأسمالية والإمبريالية والتفاوت الاجتماعي والحرب . إن وثيقة لجنة صيانة الدستور عبرت بشكل قانوني زائف عن العداء الشرس للاشتراكية المتجذر  في الرعب من تصاعد استياء الطبقة العاملة وجنوحها نحو راديكالية سياسية وهذا يغذي الجهود الهادفة إلى شرعنة الأفكار الفاشية .  إن البروفسور يورغ بابيروفسكي  الذي بذل حزب المساواة الاشتراكية الكثير لفضحه ليس حالة معزولة من أكاديميين غريبي الأطوار بل هو ممثل رفيع  المستوى  ونشط وعلني لظاهرة  اجتماعية كانت معروفة بشكل جيد في العقد الثاني من القرن العشرين ونقصد المثقف الفاشي.

هناك عدد مهم من المنظرين الفاشيين العلنيين – بعضهم من الماضي(  مثل كارل شميث و جوليوس إيفولا ) لكن هناك الكثير منهم من الأحياء  والنشيطين ( مثل آلان دو بونواست ، وبول غوتفريد ، وألكسندر دوغان) صاروا بارزين بشكل متصاعد بعد أن وجدت أفكارهم تعبيراً عنها في السياسات الحكومية . لكن معظم الإيديولوجيين الفاشيين غير معروفين بشكل كبير لكن هذا لا يقلل من أهميتهم السياسية .

إن النخبة الحاكمة وممثليها يعترفون بأنه ليس من الحكمة لفت الانتباه لواقع استلهام  سياساتهم الرجعية  وتحريضهم السياسي للأفكار الفاشية . وكما حذر  ناشر كتاب صدر مؤخراً وحمل عنوان " أهم مفكري اليمين الراديكالي:

"يمكن القول أن لا احد من الذين يصوتون  لحزب ( الفجر الذهبي ) في اليونان أو لحزب (جوبيك) في هنغاريا قد سمع بإيفولا بل أن  قلة منهم سيشاركون رؤيته حول الجندر والحرب والوثنية  لكن فكر إيفولا  ما زال يتصف بأهمية غير مباشرة  بالنسبة للسياسات في اليونان وفي هنغاريا كما هو الحال دون شك بالنسبة لسياسات  في بلدان أخرى  حيث يتصف سياسيوها بحذر أكبر بالنسبة لما ينشرونه على موالقعهم الإلكترونية  وكذلك المؤلفين والناشرين الذين يكتبون لهم  مقدمات. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال فإن ستيف بانون كبير الاستراتيجيين السابق في إدارة الرئيس ترامب  أشار بشكل فقط غير مباشر إلى إيفولا ودوغان وعبر مرة عن تقديره لغينون الفرنسي غريب الأطوار الذي ألهم كل من إيفولا و دوغان .   وهكذا فإن مفكري اليمين الراديكالي المهمين  يحظون بقيمة في كل مكان  حيث تجري عودة اليمين  في أمريكا كما هو الحال في فرنسا واليونان وروسيا وهنغاريا ".  [14]

إن الإنبعاث الإيديولوجي والسياسي للفاشية يفضح إفلاس سرديات  " انتصار الرأسمالية " و" موت الماركسية" التي جرى تطويرها  في الفترة التالية مباشرة لتفكك الأنظمة الستالينية  وإعادة الرأسمالية . وقد تم إلى حد بعيد،  صوغ هذه السرديات  لاستخدامها دعاية سياسية مع جميع الشعارات  المناسبة.  لم يتم بذل جهد كبير في التحليل. لكن هذا الافتراض هو الأساس الذي تقوم عليه جميع الردود تقريبًا - سواء من أولئك الذين رحبوا بتفكك الأنظمة الستالينية أو أولئك الذين استجابوا بإحباط  - هو الانتفاضات في شرق أوروبا وفي الاتحاد السوفيتي السابق  لم تكن مرتبطة بأي أزمة أوسع نطاقاً على مستوى النظام الشامل مع تداعيات ، لم يتم الإقرار بها حتى الآن ، لكنها كانت بعيدة المدى بالنسبة للولايات المتحدة وللقوى الإمبريالية الرئيسية الأخرى .

إن التحليل الذي طورته اللجنة الدولية حتى عندما أخذت الأحداث تتكشف ، برهن على مستوى عال من بعد النظر على المستوى التاريخي  ويمكن وصفه  حقاً بأنه كان فريداً. ففي الاجتماع الكامل العاشر للجنة الدولية الذي عقد في مايو 1990 كان هناك نقاش موسع حول دلالة تفكك الأنظمة الستالينية في شرق أوروبا  وخلال النقاش الطويل الذي بدأ في السادس من مايو 1990 قلت :

من المؤكد أن الأحداث التي وقعت في ألمانيا الشرقية  وتجربة رابطة العمال الاشتراكيين في ألمانيا الشرقية شديدة الأهمية  ويجب مناقشتها وتحليلها . لكن في هذه النقطة من المناقشة من الضروري بالنسبة لنا مقاربة هذه الأحداث  ضمن إطار تحليلنا الدولي  بهدف التوصل إلى بعض الاستنتاجات مثل كيفية فهمنا للوضع في العالم.

لا أظن أننا قادرون على تطوير منظور في شرق أوروبا  ببساطة على أساس التأكيد على أن الجنوح لإعادة فرض الرأسمالية سيجابه بمقاومة من قبل الطبقة العاملة. هذا بطبيعة الحال صحيح  لكن هناك المزيد من القضايا الأساسية في الوضع .  وكان تحليلنا في جوهره تضمن  التأكيد على أن ما نشهده  في الوقت الحاضر هو تفكك كل العلاقات  التي فرضتها الإمبريالية  بالتعاون مع الستالينية عند نهاية الحرب العالمية الثانية  .

ثمة تفسيران محتملان  للأحداث التي تجري في أوروبا الشرقية . حيث يمكن للمرء القول أن هذا يمثل انتصاراً تاريخياً للرأسمالية على الاشتراكية ، وأن الطبقة العاملة عانت من هزيمة  تاريخية ضخمة وأن منظور الاشتراكية تحول إلى أنقاض ، وأننا نقف على عتبة حقبة جديدة من التطور الرأسمالي. أو، وهذه بطبيعة الحال وجهة نظر اللجنة الدولية ، وهذا ما يميزنا عن كل التيارات الأخرى ،  أن انهيار النظام الامبريالي  فتح المجال أمام حقبة من اختلال عميق في التوازن  سيتم حله على الصعيد الدولي خلال مسار من النضالات السياسية والاجتماعية الضخمة ، وأن الوضع المهيمن اليوم  هو مستوى من عدم الاستقرار لم يكن له مثيل منذ العقد الثالث من القرن العشرين . ومن نافل القول أن تحليلنا لا يمكن أن يستند إلى مصير المرحلة الأولى من من أحداث أوروبا الشرقية  وإلا فإنني أظن أنه لا يبقى أمام  المرء سوى استنتاج  مغرق في التشاؤم للغاية.

استمر النقاش في السابع من مايو  وتم  الإقرار  بانهيار النظام القديم الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية فهل  توقعنا إقامة توازن جديد شامل بسرعة يجعل من الممكن  حدوث تطور مستدام وسلمي للرأسمالية العالمية ؟  أنا اود الإجابة على هذا السؤال وفق  التالي: 

هناك جانبان لهذه القضية يجب أن نأخذهما بالاعتبار  للوصول إلى إجابة : أولاً العلاقة بين القوى الإمبريالية ، وثانياً العلاقة بين الطبقات ولا يقتصر الأمر على الصعيد الوطني بل إنه على صعيد دولي. السؤال هو  :هل سيكون الإمبرياليون قادرين  على التحقيق توازن جديد و مستقر  سلمياً ؟...

هذا هو السؤال الحاسم : هل يمكن أن توقع أن الإمبرياليين  سيكونون قادرين على الوصول سلمياً وبتناغم إلى توازن جديد للقوى في العالم وإلى توازن دولي جديد؟ هل سيرغبون  بالتضحية بالمصالح القومية  بهدف الوصول إلى تناغم دولي؟  الرد بالإيجاب يفترض 1) أن تتصرف البورجوازية بشكل مختلف جوهرياً عن تصرفها في الماضي و 2)  أن تكون التناقضات القائمة اليوم بين الإمبرياليين أقل حجماً من تلك التي سادت في 1914 وفي 1939.

وحتى لو قبل المرء أنه من الممكن نظرياً أن تعاكس البورجوازية تجربتها التاريخية الماضية  وأن ترغب باتباع مسار" مستنير " ، وحتى ولو افترض المرء أنها جاهزة للدخول في تسويات  هي من حيث الجوهر ليست في خدمة مصالحها بوصفها سلطة قومية ، يبقى  الواقع أنه أي تنازلات تقوم  بها أي بورجوازية قومية  في الحلبة الدولية  لا بد أن يتم تعويضها ضمن الحدود القومية .  وما تتنازل عنه بورجوازية قومية لصالح منافسيها الإمبرياليين  لا بد أن يتم تعوضه  بتشديد الضغط على طبقتها العاملة الخاصة ببلدها . 

وهنا نصل إلى الموضوع الثاني وهو وضع العلاقات الطبقية على المستوى الدولي . وعلى افتراض أن مثل هذا التوازن  سيحصل بشكل سلمي فهل سيمكن الوصول إلى هذا دون توليد صراع طبقي ثوري الأبعاد؟ فعلى الرغم من خيانة قادتها لكن الطبقة العاملة اليوم  تمثل قوة اجتماعية أكبر بكثير مما كانت عليه عند مطلع القرن .  لا يمكن إعادة عقاب الساعة إلى الوراء . [15]

تم التثبت من  صحة هذا التحليل  لكننا الآن في مرحلة متقدمة جداً من الأزمة التي حددتها اللجنة الدولية للأممية الرابعة بهذا القدر من الجلاء قبل ثلاثة عقود . و توقعنا في ذلك الوقت أن هذه الأزمة ستولد تصاعداً جديداً في النضال الثوري  ونحن نشهد الآن بداية هذاالتصاعد.

إن هذا يطرح علينا سؤالاً حرجاً. فبعد أن استعرضنا مسار الحركة التروتسكية الطويل  وصولاً إلى أصولها في عام 1923 ، وبعد أن حددنا أربع مراحل متمايزة  في تطورها فما هي السمة التي يجب أن يتصف بها عملنا في المرحلة الحاضرة .

نحن نشهد الآن تقاطع تصاعد موجة ثورية جديدة للطبقة العاملة الدولية مع النشاط السياسي للجنة الدولية . إن الأزمة العالمية التي نقوم بتحليلها هي أزمة نشطت فيها اللجنة الدولية بشكل متصاعد وكانت مشاركة مباشرة فيها .

إن العمل التحضيري الهام  من خلال إبعاد البابلويين وإعادة بناء الحزب العالمي على أسس أممية ، وصوغ الاستراتيجية الدولية للجنة الدولي للأممية الرابعة ، والدفاع عن الموروث التاريخي للأممية الرابعة ، وتحويل روابط اللجنة الدولية إلى أحزاب ، وإنشاء موقع الاشتراكية العالمية كانت أهم إنجازات المرحلة الرابعة . وإن هذه الإنجازات جعلت من الممكن تحقيق توسع كبير في  النفوذ السياسي للجنة الدولية والنمو الملحوظ في عدد أعضاءها ، وقد وصلت هذه المرحلة إلى خاتمتها.

إن  اللجنة الدولية للأممية الرابعة  قد باشرت المرحلة الخامسة من تاريخ الحركة التروتسكية ، وهذه المرحلة ستشهد نمواً واسعاً للجنة الدولية للأممية الرابعة  بوصفها حزب الثورة العالمية .إن السيرورة الموضوعية للعولمة الاقتصادية التي قامت اللجنة الدولية بتحديد هويتها قبل أكثر من ثلاثين عام قد أنجزت المزيد من التطور الضخم. وترافق هذا بظهور تقنيات جديدة أنجزت ثورة في الاتصالات  وهذه السيرورة أضفت طابعاً دولياً على الصراع الطبقي إلى حد كان من الصعب تصوره حتى  قبل 25 عام . إن نضال الطبقة العاملة  الثوري سيتطور بوصفه حركة عالمية مترابطة وموحدة . وستم بناء اللجنة الدولية للأممية الرابعة  بوصفها قيادة سياسية واعية  لهذه السيرورة  الاجتماعية – الاقتصادية الموضوعية.  وهي ستعارض السياسات الرأسمالية للحروب الإمبريالية من خلال استراتيجية الثورة الاشتراكية العالمية وهي المستندة إلى الطبقات . هذه هي المهمة التاريخية الجوهرية في مرحلة جديدة من تاريخ الأممية الرابعة!

إن الهجوم على فرعنا الألماني من قبل لجنة صيانة الدستور  هو تصريح سياسي واضح  بأن النخبة الحاكمة  تعترف بأن برنامج وأفكار حركتنا  تتضمن قدرة على كسب الكثير من المؤيدين من جماهير الطبقة العاملة .  وقد أشار تقرير لجنة صيانة الدستور إلى أن حزب المساواة الاشتراكية لم يحظ إلا بقدر صغير من الأصوات في الانتخابات الفيدرالية في سبتمبر 2017  لكن لجنة صيانة الدستور أضافت على الفور التحذير  التالي: "من جهة أخرى فإن الجهة الشاكية  من خلال اشتراكها في الانتخابات الفيدرالية الألمانية  بما في ذلك الإعلان عن  في شركات البث العامة ، بالتأكيد قد اكتسبت درجة محددة الانتباه  والاهتمام من قبل الرأي العام".

وبهدف الارتقاء إلى متطلبات  هذا التطور الشامل  للصراع الطبقي  يكون من الضروري بالنسبة لكادر اللجنة الدولية الاستفادة من كل الرأسمال النظري والسياسي لحزبنا العالمي .  وعلى هذا الأساس  سنطور عمل الحزب خلال المرحلة الخامسة الجديدة من تاريخ الأممية الرابعة!

إن هذا الاعتراف بالوضع السياسي لحزب المساواة الاشتراكية  هو من جهة تقريظ  لكنه تهديد ايضا يجب أن يؤخذ بجدية ويجب اتخاد إجراءات مضادة سياسية مناسبة  وعملية.

Footnotes:

[1] Leon Trotsky and the Development of Marxism, (New York: Labor Publications, 1985), pp. 18-19
[2] Lectures on the Philosophy of World History, by George Wilhelm Friedrich Hegel, translated by H. B. Nisbet (Cambridge University Press, 1973), p. 20
[3] “Feuerbach and the End of Classical German Philosophy,” in Marx Engels Collected Works, Volume 26 (Moscow: Progress Publishers, 1990), p. 388
[4] Ibid, p. 389
[5] Problems of Everyday Life, by Leon Trotsky (New York: Pathfinder, 1973), pp. 137–38
[6] https://www.marxists.org/archive/trotsky/1928/3rd/ti01.htm#p1-01
[7] Cited in “A Contribution to a Critique of G. Healy’s ‘Studies in Dialectical Materialism,’” Fourth International, Volume 13, No. 2, Autumn 1986, p. 17
[8] The Historical and International Foundations of the Socialist Equality Party (Detroit: Mehring Books, 2008), p. 59
[9] Workers League Internal Bulletin, Volume 3, Number 4, June 1989, p. 5
[10] https://www.marxists.org/archive/trotsky/1938/10/foundfi.htm
[11] Ernest Mandel: A Dream Deferred, by Jan Willem Stutje (London and New York: Verso, 2009) p. 240
[12] Workers League Internal Bulletin, Volume 3, Number 4, June 1989, p. 7
[13] John Dewey, The Later Works, Volume 11, edited by Jo Ann Boydston [Carbondale and Edwardsville: Southern Illinois University Press, 1991], p. 39
[14] Key Thinkers of the Radical Right: Behind the New Threat to Liberal Democracy, edited by Mark Sedgwick (Oxford University Press, 2019), p. xxv
[15] Workers League Internal Bulletin, Volume 4, Number 7, June 1990, pp. 13–17