أصول ونتائج التحقيق الأمني الذي قامت به الأممية الرابعة

بقلم إريك لندن
١٤ تشرين الثاني نوفمبر ٢٠١٨

تجدون فيمايلي نص وتسجيل لمحاضرة ألقاها إريك لندن في مدينة ديترويت في ولاية ميتشيغانوفيها استعراض للتحقيق الضخم الذي أجرته اللجنة الدولية للأممية الرابعة تحت عنوان الأمن والأممية الرابعة. إن التحقيق الذي أطلق عام 1975 كان معلماً هاماً في تاريخ الحركة التروتسكية حيث أنها كانت المرة الأولى التي ناضلت فيه الحركة التروتسكية لكشف اختراق الحركة التروتسكية من قبل الغيبو الستاليني ومكتب التحقيق الفيدرالي.

كان اغتيال ليون تروتسكي في العشرين من شهر أغسطس 1940 أفظع جريمة في القرن العشرين والتعبير الأعلى على الطابع المضاد للثورة لردة الفعل الستالينية. وخلال الأشهر التي سبقت الاعتداء تمكن رامون ميركادير ( أي فرانك جاكسون) ، وهو عميل للشرطة السرية الستالينية ، الغيبو، من التسلل إلى مقر تروتسكي حيث كان يعيش قائد الثورة الروسية في المنفى منذ يناير1937.دخل ميركادير إلى المقر وسمح حراس تروتسكي بما فيهم جوزيف هانسون له بلقاء تروتسكيبمفرده في مكتبه . سحب ميركادير من فأس الجليد الذي كان قد أخفاه تحت معطفه الواقي من المطر واستخدمه ، ومات تروتسكي في اليوم التالي وهو في الستين من العمر.

لم يكن هناك أي شك حول دور ستالين، فمن خلال صفحات جريدة المناضل الناطقة باسم حزب العمال الاشتراكي وجهت الحركة التروتسكية اصبع الاتهام إلى ستالين وإلى عملية الاغتيالات الشاملة التي تمكنت خلال الأعوام السابقة من اغتيال قسم هام من قيادة الأممية الرابعة بما في ذلك ابن تروتسكي ، ليف سيدوف ، ورودولف كليمانت الذي كان من المتوقع تعينه سكرتيراً للأممية الرابعة ، و إغناتز رايس المنشق عن الغيبو ، وإروين وولف أحد أهم أعضاء السكرتارية السياسية لتروتسكي.

ففي خضم الحرب الأهلية الاستباقية التي عرفت بالإرهاب الأكبر قام ستالين وزمرته البيروقراطية ، التي خنقت دولة العمال في روسيا ، بتصفية أجيال من الاشتراكيين ومن الشخصيات البارزة في الحياة الفكرية والعلمية والثقافية. وتم قتل مئات الآلاف من معارضي النظام و المتعاطفين مع المعارضة اليسارية ثم مع الأممية الرابعة بعد تأسيسها في أغسطس 1938، كما اتسعت عمليات الغيبو وتجاوزت حدود الاتحاد السوفيتي .

إن الضرر المترتب عن هذه الجريمة تضاعف نتيجة واقع أنه طوال خمسة وثلاثين عام – أي ما يقارب نصف المدة الزمنية الفاصلة بين الاغتيال ويومنا هذا- لم يتم الكشف عملياً عن أي شيء مما قام به الغيبو لاغتيال تروتسكي ،بل أن الاسم الحقيقي للقاتل لم يعرف من قبل الجمهور حتى عام 1949 أو 1950 إثر التحقيق الذي قام به الخبير الجنائي المكسيكي ألفونسو كيروز كوارون.

وخلال الأيام والأسابيع التي تلت اغتيال تروتسكي ، وحتى خلال احتفاء حزب العمال الاشتراكي بذكرى تروتسكي ، ثابرت شبكات العملاء داخل الحزب ، بالتعاون مع كل من الغيبو والحكومة الأمريكية ، على العمل من داخل حزب العمال الاشتراكي ،وقامت بإرسال تقارير مفصلة ووثائق الحزب المتعلقة بأعضاء الحزب وعناوينهم ، وأولادهم ، ومهنهم ، ومالية الحزب والخلافات السياسية الداخلية ، والمراسلات الدولية إلى كل من مكتب التحقيق الفدرالي والغيبو

في شهر مايو من عام 1975 أطلقت اللجنة الدولية للأممية الرابعة مبادرة حملت اسم الأمن والأممية الرابعة، هدفت إلى تسليط الضوء على العملاء السابقين والحاليين داخل الأممية الرابعة. وفي المقدمة المتعلقة بكيفية اغتيال تروتسكي التي نشرت عام 1981 وراجعت الكثير من القرائن التي اكتشفها التحقيق، شرحت اللجنة الدولية للأممية الرابعة أن التحقيق المسمى الأمن والأممية الرابعة لم يكن مجرد حملة جانبية بل تجسيداً للنضال للحفاظ على الاستمرارية التاريخية للبلشفية ولشرعية ثورة أكتوبر في مواجهة خيانة الستالينية وحلفاءها وجاء فيها:

إن الأمن والأممية الرابعة هو في آن معاً استمرار وذروة النضال الذي خاضه ليون تروتسكي الشريك في قيادة ثورة أوكتوبر عام 1917 ومؤسس الأممية الرابعة بهدف فضح جرائم الستالينية وتخليص حركة العمال العالمية نهائياً من شرعية ميراث الثورة المضادة. فمن خلال فضح عملاء الشرطة الذين يقودون الآن حزب العمال الاشتراكي التحريفي في الولايات المتحدة تقوم اللجنة الدولية بتصفية الحسابات التاريخية مع كل جهاز عنف الثورة المضادة الذي استخدم من قبل كل من وكلاء الإمبريالية والبيروقراطية السوفيتية ضد الأممية الرابعة.

وعند الإشارة إلى نص الأمن والأممية الرابعة بوصفه " تحقيقاً" يجب إدراك أن هذه الكلمة لا تغطي إلا جزئياً كل المحتوى السياسي والتاريخي للنضال الذي خاضته اللجنة الدولية خلال السنوات الست الأخيرة . وكما كان حال فضح تروتسكي لمحاكمات موسكو التآمرية في 1936-1938 فإن النص يمثل التعبير الواعي الأسمى عن حركة الطبقة العاملة الموضوعية ضد البورجوازية وحلفاءها.

وتتابع المقدمة:

إن فضح هؤلاء العملاء وتدميرهم مع شركائهم في المنظمات التحريفية في كل أرجاء العالم يمثل المسؤولية العليا للجنة الدولية. إن الموضوع لا يتعلق بالثأر لاغتيال تروتسكي حيث أن جوهر مهمة الأمن والأممية الرابعة هو النضال في سبيل سلطة الطبقة العاملة.

وتمضي المقدمة أبعد:

إن نتائج تحقيق الأمن والأممية الرابعة يمثل قاعدة لا غنى عنها لتدريب الكادر الماركسي كما يمثل سلاح مادي قوي في يد الثورة العالمية. إن العملاء الذين تم فضحهم بهذا السلاح سابقاّ وكذلك الذين سيتم في النهاية تدميرهم سياسياً يمثلون رأس حربة الثورة المضادة ويجب على كل عامل وشاب يمتلك وعياً طبقياً إدراك واقع أن كل الغريزة التي راكمتها البورجوازية تاريخياً بهدف الحفاظ على نفسها تجد أعلى مستوى من الوعي من خلال إعداد استراتيجيتها لتدمير القيادة الثورية للطبقة العاملة.

إن السنوات الست التي سبقت هذا التصريح – وكذلك الأعوام التي تلتها مباشرة وبشكل خاص قضية غلفلاند- تسجل نقطة حرجة في تطور تاريخ اللجنة الدولية . إن جيل من الكوادر الذي يقود حاليا اللجنة الدولية دخل في تجربة سياسية تكوينية .

إن معالم تاريخ الأممية الرابعة على مدى الأربعين سنة الماضية ، بما في ذلك الانشقاق عن حزب العمال الثوري في بريطانيا ، وتأسيس أحزاب المساواة الاشتراكية ، وإطلاق موقع الإشتراكي العالمية على شبكة الإنترنت، تم إنجازه من قبل قيادة صقلت جزئياً عبر تجارب تقرير الأمن والأممية الرابعة.

ما كان ضالعاً في التحقيق كان مذهلاً: مستوى هائل من العمل التحقيقي ، يمتد عبر عدة قارات، مئات الساعات من المقابلات وآلاف الصفحات من الوثائق التاريخية. ولأول مرة ، تم إجراء تحقيق منهجي في اختراق الحركة التروتسكية من قبل وكلاء الغيبو والحكومة الأمريكية. وطُرحت أسئلة كان يمكن ، لو أنها طرحت وتم التحقيق فيها قبل عقود ، أن تمنع وقوع أضرار كبيرة للحركة وأعضائها ، وكانت أنقذت أرواح.

برز تقريرالأمن والأممية الرابعة ضمن الأحداث التي تشكل فصلاً هاماً في تاريخ الحزب، ففي آب / أغسطس 1974 ، علمت جمعية العمال أن نانسي فيلدرز الشريكة الشخصية لتيمووهلفورث وهو كان سكرتير جمعية العمال الوطني ورفعها بسرعة إلى القيادة السياسية ، كان لها صلات عائلية مع شخصيات بارزة في وكالة الاستخبارات المركزية . وقد تفاعلت فيلدرز ، التي شاركت في مؤتمر دولي لـلجنة الدولية للأممية الرابعة في إنجلترا في مايو الماضي ، مع أعضاء ومتعاطفين من مجموعة كبيرة من الدول ، بما في ذلك الدول التي كانت فيها الدكتاتوريات العسكرية في السلطة الأمر الذي مثل خطراً مادياً على المشاركين من تلك الدول.

على الرغم من المخاطر الهائلة التي واجهت الحركة الدولية ، أخفى ووهلفورث هذه المعلومات عن اللجنة الدولية للأممية الرابعة بسبب علاقته الشخصية مع فيلدرز ،كما كذب عندما سئل في شهر أغسطس عما إذا كان لدى فيلدرز أي اتصالات مع وكالة المخابرات المركزية ، قائلا إنها لم تفعل ذلك. غير أنه في وقت لاحق غير جوابه وقال إنه كان يعرف عن اتصالات عائلتها، لكنه لم يعتبرها مهمة. وفي 31 أغسطس 1974، صوتت اللجنة المركزية لجمعية العمال بالإجماع على إقالة ووهلفورث بوصفه سكرتير وطني، وكذلك صوتت على تعليق عضوية فيلدرز، ريثما يتم التوصل إلى نتيجة عمل لجنة تحقيق حول الروابط العائلية لفيلدرز.

تم اتخاذ هذه القرارات ، ليس لأن الحزب افترض أن فيلدرز كانت في الواقع عميلة بل لأن الجريمة كانت حجب كل من ووهلفوث وفيلدرز المعلومات عن الحركة وقد صوت كلاهما لصالح القرارات التي اتخذتها اللجنة المركزية لجمعية العمال في 31 أغسطس.

لكن بعد أقل من شهر ، في 29 سبتمبر ، استقال ولفورث من جمعية العمال ، مدعياً ، في خطاب استقالته ، أنه "عارض تماما وبشكل كامل" قرارات اللجنة المركزية في 31 أغسطس، والتي وصفها بأنها "وحشية". وفيما يتعلق بأمن الحركة ، قال: "أود أن أقترح أن يكون مكان البحث عن عملاء في جمعية العمال بين أولئك الذين نشروا الفضيحة ضد زعماء الجمعية وليس بين أولئك الذين كانوا ضحايا الافتراء".

كشف تقرير لجنة التحقيق ، الصادر في 9 نوفمبر / تشرين الثاني 1974 ، جزئياً من خلال مقابلات مع 22 من الأعضاء السابقين والحاليين في جمعية العمال أن المخاوف بشأن علاقات فيلدرز كانت بعيدة كل البعد عن الافتراء. حيث أن عم فيلدرز الذي كان قد رعاها خلال مراحل كثيرة من طفولتها ، كان ألبرت موريس ، رئيس قسم أجهزة الكمبيوتر في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأحد زملاء ريتشارد هيلمز. كان هيلمز مدير سابق في وكالة المخابرات المركزية ، وكان ضيفاً دائماً على منزل فيلدرز عندما كانت شابة. كان قسم الحواسيب ، كما ذكر الصحفي سيمور هيرش في صحيفة نيويورك تايمز في ديسمبر 1974 ،يشترك في مراقبة غير قانونية للمعارضين والجماعات اليسارية في الولايات المتحدة. ووجدت اللجنة أن فيلدرز وفولفورث ، على الرغم من أن كليهما صوتا لصالح قرار اللجنة المركزية بإعداد التحقيق ، رفضا التعاون معه.

وأشار تقرير التحقيق إلى دور فيلدرز المدمر بشكل خاص في الحزب ، والذي شمل السفر في جميع أنحاء البلاد وإغلاق فروع الحزب بطريقة لا تعرف الرحمة وغير موضوعية. وخلصت اللجنة إلى أنه ، بسبب عدم وجود دليل مباشر يشير إلى وجود صلة بين فيلدرز أو ووهلفورث ووكالة الاستخبارات المركزية، يجب على ووهلفورث إلغاء خطاب الاستقالة والعودة إلى عضوية الحزب. لكن فيلدرز وفولفورث رفضا قبول هذه الشروط. بعد ذلك بفترة وجيزة ، انضم ووهلفورث إلى حزب العمال الاشتراكي، الذي سبق أن خاض ضده صراعاً لا هوادة فيه لعقد من الزمان تقريباً ، وبدأ في إدانة جمعية العمال في حين أصبحت فيلدرز في نهاية المطاف زعيمة رفيعة المستوى في الاتحاد الأمريكي للعمل – مؤتمر المنظمات الصناعية.

وفي البيان الذي أصدرته جمعية العمال في 22 مارس 1975 ، بعد هجمات ووهلفورث على الحزب ، كتبنا: "إن وكالة المخابرات المركزية ليست مسألة عرضية بالنسبة لحركتنا ، ولكنها مسألة مهام لا غنى عنها تنبثق من مبادئ بناء الأحزاب الثورية المرتبطة باللجنة الدولية للأممية الرابعة. إن الشخص الذي يفشل في أن يأخذ على محمل الجد بناء الحزب العالمي للثورة الاشتراكية يمكنه وحده فقط رفض مسألة الأمن ضد وكالة المخابرات المركزية، المركز الدولي لخطط الثورة المضادة التي يعدها الإمبرياليون. "

وأشاد جوزيف هانسون في صحيفة انتركونتيننتال برس الأسبوعية لحزب العمال الاشتراكي بووهلفرث لقراره ترك جمعية العمال .و في فبراير / شباط ومارس 1975 ، نشرت وكالة إنتركونتيننتال للصحافة إدانات من قبل ووهلفرث من جمعية العمال ، وفي 31 مارس 1975، قال هانسون "لا يمكن إنكار صدق ووهلفرث ، ولا يسع المرء إلا أن يتمنى له حظًا أفضل في مشروعه القادم".

كما كتب هانسون مهاجماً جيري هيلي ، القائد الرئيسي في ذلك الوقت في حزب العمال الثوري وفي اللجنة الدولية للأممية الرابعة: لقد وصف ووهلفرث ممارسات هيلي بالجنون ، أليس من المفضل ، وربما أكثر دقة ، استخدام مصطلح حديث مثل "مرض الشك"؟

وإذا صح التعبير عندها يمكن تفسير هوس هيلي بوكالة الاستخبارات المركزية ، وبعملاء الشرطة، وبالمؤامرات على حياته ، وكذلك غضبه وردود أفعاله المتطرفة ، والنسخة الغريبة من الدياليكتيك . إنها أمور لا يجب محاولة تفسيرها من خلال سياساته أو منهجه فلسفي كما هو حال بابلو أو كانون بل في عمل عقل يجيد فهمه الطبيب النفسي.

أقرت اللجنة الدوليى بأهمية هذه الإدانة المقلقة لحالة " بارونويا" من قبل جوزيف هانسون وهو رجل كان من حراس مقر تروتسكي في كويواكان وكان حاضراً يوم اغتيال تروتسكي على يد عميل متخفي من الغيبو . ما من ثوري أصيل عاش في خضم اختراق أمني مدمر يمكن أن يشير إلى الهواجس الأمنية بوصفها " بارونويا". إن هذا التشويه المتعمد لتاريخ التهديدات الأمنية ضد الحزب كان جزء من جهد سعى لتشويش وإرباك وعزل الحركة الثورية.

وفي تصريح في شهر أبريل 1975 كتب حزب العمال الثوري: "الأمن ليس بقضية مجردة أو ثانوية .إن الحزب الذي لا يستند إلى انضباط ثوري ضمن صفوفه لا يستطيع قيادة عملية دعم الطبقة العاملة في مواجهة آلة الدولة الرأسمالية والإطاحة بها وإقامة ديكتاتورية الطبقة العاملة."

ويتابع التصريح وبالإشارة إلى أن هجوم هانسون ضد جمعية العمال واللجنة الدولية "يسمح لنا بإعادة فتح صفحات حيوية في تاريخ التروتسكية . إننا مضطرون إلى طرح هذا التاريخ والثآليل لأن حركتنا دفعت في الماضي ثمناً رهيباً عندما تجاهلت وأهملت التدريب الأمني بين صفوفنا وهذه هي الصفحات التي يريد هانسون قمعها".

وشرح التقرير "أن اللجنة الدولية للأممية الرابعة لن يتم تخويفها بصيحات وصراخ التحريفيين. تستطيعون تسميتنا بالمتحزبين وبالمذعورين حتى تنقطع أنفاسكم. فمن خلال استخدام هذه الشعارات فإنهم في واقع الأمر يهاجمون مبادىء اللجنة الدولية وحرصها على الانضباط والحذر الأمني ضمن صفوفنا. نحن لا نبني مؤسسة ترفيهية للطبقات المتوسطة والمغامرين ، وهي السمة المميزة لمجموعات هانسون الدولية. هذا الطريق هو دعوة مفتوحة لوكالة المخابرات المركزية واختراق من قبل الشرطة ، لأنه على وجه التحديد فإن عملاء الشرطة يعملون بنشاط بين هذه العناصر . يريد هانسون التعمية على قضية الأمن ؛في حين نريد نحن رفع مستواه في التدريب وبناء حركتنا. ولهذا السبب نشعر أنه من الضروري إعادة فتح صفحات تاريخ التروتسكية لشرح خلفية اتخاذ إجراء ضد ووهلفورث ولماذا ستتخذ خطوات مماثلة مرة أخرى في المستقبل إذا اقتضت الضرورة ذلك ".

و كانت إعادة فتح صفحات تاريخ التروتسكية هي بالضبط ما فعلوه.لقد كان من المثير للانتباه ندرة المعلومات حول اغتيال تروتسكي ، حتى تم اتخاذ قرار إطلاق تحقيق الأمن والأممية الرابعة في مايو 1975 ، أي بعد مرور شهر على كتابة البيان المذكور أعلاه ، في المؤتمر السادس لـلأممية الاشتراكية ، الذي عقد في مايو 18-24 عام 1975.

ففي المؤتمر السادس ، قررت اللجنة الدولية الاقتراح على السكرتارية الموحدة – وهو الاسم الذي حملته مجموعات أنصار بابلو بعد إعادة توحيد مجموعاتها الدولية- وهي التي انتمى إليها حزب العمال الاشتراكي - إنشاء لجنة مراقبة محايدة مشكلة من عدد متساو من اللجنة الدولية للأممية الرابعة ومن السكرتارية الموحدة بهدف التحقيق في اختراق الدولة لحركة العمال. ولم يتم طرح مثل تلك اللجنة بوصفها شكل من المصالحة أو التوحد حول برنامج سياسي مشترك بل كان الهدف منها أن تكون وسيلة لإجراء تحقيق أمين بين تيارات سياسية متعارضة في القضايا التاريخية ومسائل الأمن وهو الأمر الذي أوضحت اللجنة الدولية أن أي اشتراكي سيعتبر أنها قضايا ذات أهمية جوهرية مشتركة . لكن وعلى الفور تم رفض العرض من قبل حزب العمال الاشتراكي والسكرتارية الموحدة عبر مذكرة سخيفة ومستهزئة كتبها جوزيف هانسون.

وفي 5 يونيو / حزيران 1975 ، رد هانسون على كليف سلوتر زعيم حزب العمال الثوري وسخر من التوقيع المادي للأخير ، وكان يمزح بسخرية ، وأكد أن حزب العمال الثوري وليس حزب العمال الاشتراكي هو مليئًا بالعملاء . "أنا متأكد من أن لجنتكم المركزية ، نظراً لخبرتها في مثل هذه الأمور ، ستقر بضرورة التحذير من خيوط تبدو كأنها غير مهمة مثل هذه" ، كما كتب هانسون. "يمكن أن تؤدي إلى تحديد عميل زرع في المنظمة من قبل الشرطة أو وكالة الاستخبارات المركزية. ربما يساعدك هذا في تحديد مكان عميل إن كان هذا الأمر محتوماً.

كشفت اللجنة الدولية وثائق في الأرشيفات الحكومية المتاحة للجمهور طرحت تساؤلات حول دوافع هانسون لاستخدام ووهلفورث لإثبات أن الرابطة كانت تعاني من أوهام لا أساس لها ومن موقف شديد التعصب عبر تحقيقها في روابط عائلة فيلدرز مع وكالة الاستخبارات المركزية.

ونظراً لأنه يبدو أن الكثيرين هنا يعرفون محتوى هذه الوثائق وحرصاً على الوقت سأكتفي بتلخيص أهم العناصر. فبعد عشرة أيام من موت تروتسكي في الحادي والعشرين من أغسطس 1940 اتصل هانسون بسفارة الولايات المتحدة في مدينة مكسيكو على أمل فتح علاقة سرية مع حكومة الولايات المتحدة. تم متابعة اجتماعات هانسون من قبل أعلى المستويات في حكومة الولايات المتحدة بما في ذلك مدير مكتب التحقيق الفدرالي ج. إدغار هوفير. وتضمنت نقاط اتصال هانسون أشخاص بارزين مثل جورج ب. شو، و روبرت ماكغريغور ، و ب. ي. ساكيت. وخلال الاجتماع الأول زود هانسون الحكومة بمعلومات حول اغتيال تروتسكي . وفي ذلك الوقت أخبر هانسون حكومة الولايات المتحدة أنه التقى ، على مدى ثلاثة أشهر من 1938 ، بعملاء من شرطة ستالين السرية ، الغيبو . وكتب ماكغريغور تقرير عن اجتماع 31 أغسطس ذكر فيه أن هانسون قال " أنه هو بالذات تلقى دعوة من عميل للغيبو للتخلي عن الأممية الرابعة والانضمام إلى الثالثة". كما أورد التقرير أن هانسون التقى على مدى ثلاثة أشهر مع وسيط للغيبو يدعى "جون" وهو في الواقع الدكتور غريغوري رابينوفيتش رئيس حلقة جواسيس الغيبو في نيويورك.

كما زود هانسون حكومة الولايات المتحدة بنسخ غير منشورة من كتابات تروتسكي ، وبنسخة من مذكرة "دبليو" تتضمن قائمة بأسماء عملاء الغيبو استلمها حزب العمال الاشتراكي من عضو سابق في الحزب الشيوعي - ويتاكر تشامبرز- وبمعلومات تتعلق بالتحقيق الداخلي الذي أجراه حزب العمال الاشتراكي في قضية اغتيال تروتسكي.

وفي الخامس والعشرين من سبتمبر 1940 كتب قنصل الولايات المتحدة في مكسيكو جورج ب. شو إلى ريموند مورفي أعلى مسؤول في وزارة الخارجية أن هانسون " يرغب في الاتصال بأحد ما" بهدف تسليمه "معلومات سرية" مع "ضمان عدم ملاحقته". استجاب إدغار هوفر رئيس مكتب التحقيق الفيدرالي وشجع رجاله على المتابعة مع هانسون وكتب في الأول من أكتوبر أنه" في حال اتصال هانسون بمكتب نيويورك يجب عندها التعامل معه بلباقة وكذلك مع كل المعلومات التي يمكن أن يقدمها ويجب الحصول على مساعدته في هذا التحقيق".

لم يقم هانسون بإعلام قيادة حزب العمال الاشتراكي باجتماعاته مع مكتب التحقيق الفدرالي . وفي تقرير عن 9 ديسمبر 1940 بواسطة عميل خاص في مكتب التحقيق الفدرالي ، م. آر. غريفين إشارة إلى أن بقية قيادة حزب العمال الاشتراكي لم تهتم بمناقشة القضية مع مكتب التحقيق الفدرالي ونقرأ في تقريره:

قام محرر التقرير بمقابلة جيمس ب. كانون وجوزيف هانسون بخصوص قضية تروتسكي وأعلماه بأن ليس لديهما معلومات ليقدمانها. بديا شديدي التحفظ في مناقشة القضية وأجابا باختصار شديد على الأسئلة التي طرحها العميل .

وتشير تقارير داخلية لحكومة الولايات المتحدة بأن هانسون لم يحجم عن الحديث إلى موظفي الحكومة على انفراد وكان هانسون يصمت فقط عند مواجهة مكتب التحقيق الفدرالي بحضور جيمس ب. كانون.

وكل هذا لم يكن معروفاً من قبل أي عضو قيادي في حزب العمال الاشتراكي . وفي الثاني من يونيو 1977 قام دافيد نورث ، الذي كان وقتها السكرتير الوطني لجمعية العمال بإجراء مقابلة مع فيليكس مورو العضو السابق في اللجنة السياسية لحزب العمال الاشتراكي ومؤلف كتاب الثورة والثورة المضادة في إسبانيا وأحد الأعضاء الثمانية عشر الذين سجنوا خلال الحرب العالمية الثانية بتهمة التحريض :

س: كنت أتساءل عما إذا كان لديك أي ذكريات حول الخطوات المتخذة من قبل حزب العمال الاشتراكي وقتها لمعرفة المزيد حول الاغتيال وكيف تم الإعداد له وبشكل خاص هل حصل الحزب على أي شكل من أشكال الدعم من الحكومة الأمريكية.

مورو: لا.

س: لا شيء البتة؟

مورو: لا شيء.

س: حسناً كيف كان ، في رأيك ، موقف مكتب التحقيق الفدرالي من الاغتيال؟

مورو: لم يتدخلوا بأي طريقة .

س:حسناً هل كان لدى حزب العمال الاشتراكي ، حسب معلوماتك، أي سياسة لمحاولة الحصول على مساعدة من مكتب التحقيق الفيدرالي؟

مورو: لم يكن هناك مبرر. كانت قضية مفتوحة ومنتهية وجاكسون ( الاسم المزيف لقاتل تروتسكي رامون ميركادير) قد اقترف الفعل وكانت المشكلة الوحيدة إثبات أن جاكسون كان عميلاً للغيبو.

س: فهمت. إذن وفق معلوماتك لم يقم حزب العمال الاشتراكي أبدأ بأي مبادرة للتواصل مع مكتب التحقيق الفيدرالي ؟

مورو : أبداً . أبداً...

وفي الحادي عشر من أبريل 1982 خلال قضيةغيلفاند ( التي سنعالجها لاحقاً بمزيد من التفصيل) تم سؤال فاريل دوبز ، زعيم أنشطة الحزب في النقابات والذي بدوره سجن عام 1941 في محكمة التحريض و صار لاحقاً السكرتير الوطني لحزب العمال الاشتراكي ، خلال استجوابه من قبل محامي المدعي ألان غيلفاند ، جون بورتون.

بورتون: هل علمت أنه في عام 1940 عقد السيد هانسون لقاءات وجهاً لوجه مع مكتب التحقيق الفيدرالي في مدينة نيويورك؟

دوبز :لم أعلم بذلك...

س: هل تكلمت ذات مرة مع السيد هانسون حول اجتماعاته مع مكتب التحقيق الفيدرالي؟

دوبز : أخبرتك أنني لم أعلم شيء حول هذا.

كما أن موريس ليويت الذي قاد حزب العمال الاشتراكي عندما كان كانون ومورو ودوبز وغيرهم مسجونين والذي أدلى بشهادته تحت اليمين في المحكمة في 13 أبريل 1982 قدم شهادة مماثلة.

لقد تم إجراء هذه اللقاءات وغيرها خلال إعداد تحقيق الأمن و الأممية الرابعة وهذا مثل بالنسبة لأولئك الذين هم منا ولم يعيشوا تلك المرحلة ، قسماً هاماً من النشاط السياسي اليومي لكوادر الحزب العليا وبشكل خاص الرفيق دافيد نورث . إن المقالات والمجادلات المرتبطة التي أنتجت في تلك الفترة انتشرت بين أعضاء الحزب ودرست بعناية واهتمام فائق. ومن الضروري فهم وقع الصراع الذي امتد من 1974-1975 وحتى 1983 على كامل أعضاء الحزب والذي فسح المجال أمام الكوادر لتثبيت نشاطهم السياسي اليومي ضد البابلوية وضمن إطار كل المحتوى التاريخي للحركة التروتسكية.

ولم يكن من المصادفة أن المرحلة الممتدة من 1974-75 إلى 1983 كانت بمثابة جسر بين نقطتي علام في تاريخ الحركة وهما القطيعة مع ووهلفورث والانتقال إلى قيادة سياسية جديدة و بروز الخلافات بين جمعية العمال وحزب العمال الثوري عامي 1982-1983. وعندما انصب لاحقاً اهتمام أعضاء جمعية العمال على تلك الخلافات كان استقبال الأعضاء لانتقادات الرفيق دافيد نورث ضد انتهازية حزب العمال الثوري قد تم الإعداد له جزئياً نتيجة تأثير تقرير الأمن والأممية الرابعة على وعي الأعضاء.

ومن غير الممكن هنا استرجاع كل الضربات التي وجهها تحقيق الأمن والأممية الرابعة ضد كل أولئك المسؤولين عن اغتيال تروتسكي والتستر عليها لاحقا من قبل البابلويين.

فبعد أقل من أربعين عام على الإرهاب الكبير عندما تم قتل ثمانمائة ألف عبر التلفيقات القضائية وعمليات التصفية الجماعية الستالينية حيث ناضلت الحركة التروتسكية وقتها ضد الوزن الساحق للرأي العام الستاليني والليبرالي بهدف فضح جرائم الإرهاب الكبير. لقد جرى اغتيال عدد لا يحصى من قادة الحركة ومن أعضاءها العاديين خلال المرحلة الرجعية التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية ولم يتعرض أي واحد من المسؤولين عن اغتيال تروتسكي وعائلته أو قادة وأعضاء الأممية الرابعة للمحاسبة على جرائمهم وجاء تحقيق الأمن والأممية الرابعة ليطلق عملية كشف الحقيقة.

وفي أغسطس 1975 حدد دافيد نورث مكان مارك زوبوروسكي قاتل ليف سيدوف وزعيم حلقة الغيبو في باريس حيث كان في سان فرانسيسكو يعيش حياة مريحة وموسرة. وعندما تم نشر صور عن اللقاء سارع أعضاء قدامى في الحركة من كل العالم ممن تذكروا الأخبار حول سيدوف وتروتسكي لتحية نورث وجمعية العمال بامتنان عميق. أدى هذا إلى توليد عداء انفعالي من قبل الحركة البابلوية التي واظبت على إدانة تحقيق الأمن والأممية الرابعة وحشدت مؤيدين من مختلف الاتجاهات البابلوية للدفاع عن حملة هانسون الهادفة إلى الافتراء على اللجنة الدولية وعزلها . كما عمق حزب العمال الاشتراكي جهوده للدفاع عن هانسون وعن سيلفيا كالن ( الملقبين فرانكلين وكالدويل) و سيلفيا هي عميلة للغيبو سبق لها العمل بوصفها السكرتيرة الشخصية لجيمس .ب. كانون .

وفي طبعة الرابع والعشرين من نوفمبر 1975من صحيفة أنتركونتينال برس أدان جوزيف هانسون تحقيق الأمن والأممية الرابعة بوصفه " بناء من طين ضعيف الأساس"، ورفض دعوة اللجنة الدولية للأممية الرابعة لتشكيل لجنة للتجقيق في اغتيال تروتسكي وكتب:

"إن سيلفيا كالديويل ( كان هذا اسمها الحزبي) عملت بجهد كبير خلال مهمتها الصعبة في إدارة مكتب حزب العمال الاشتراكي بما في ذلك مساعدة كانون بقدراتها في مجال السكرتاريا. وفي واقع الأمر فإن كل الرفاق الذين شاركوها هذه الأعباء ،التي كثيراً ما كانت مزعجة، نظروا إليها بوصفها مثال ملهم وهم عانوا بقدر ما عانت من الافتراءات الشريرة التي نشرها ] لويس [ بودينز]عميل الغيبو وعضو في الحزب الشيوعي ومحرر صحيفته ذا دايلي ووركر[."

وفي بداية عام 1976 نشر حزب العمال الاشتراكي مجموعة من المقالات تخليداً لذكرى جيمس ب. كانون الذي مات في أغسطس 1974 تحت عنوان جيمس ب. كانون كما عرفناه وتضمن الكتاب مقالات كتبها أعضاء في الحزب وتضمنت مقال بقلم ريبا هانسون زوجة جوزيف هانسون تضمن التحية الاستثنائية التالية الموجهة إلى كالن:

"عندما كان الحمل في المكتب الوطني ثقيلاً و احتاجت سيلفيا للعون ، ساعدتها وعملت بشكل شديد القرب منها. إن كفاءتها قد أدهشتني فهي تعرف القيام بكل ما هو ضروري لحسن سير العمل في مكتب يديره شخص واحد. إن إخلاصها للحركة واستعدادها لإنجاز ساعات طويلة من العمل الشاق قد ألهمنا كلنا.

وصرنا أنا وسيلفيا شريكتين مقربتين وصديقتين ، لقد كانت كائن حي دافىء. "

لم يكن هناك تفسير بريء لحشر هذه التحية الكاذبة لسيلفيا كالن في كتاب كان من المفترض أنه مخصص لمدح كانون.

وفي الرابع عشر من يناير 1977 وصلت الحملة البابلوية إلى الحضيض عندما التقى قادة الحركة البابلوية العالمية في صالة فريندز في لندن للدفاع عن هانسون وإدانة الأمن والأممية الرابعة في اجتماع سمته اللجنة الدولية للأممية الرابعة " منهاج العار". وفي ختام الملتقى رفع جيري هيلي ، زعيم حزب العمال الثوري، يده ليحتج ضد الافتراءات ضده و ضد الحركة لكنه منع من حق الكلام.

بل أن الصحافة البورجوازية أقرت بالطابع المخزي للاجتماع البابلوي حيث كتبت صحيفة سنداي أوبزرفر : " عاد السيد هيلي للجلوس بهدوء وربما شعر بأنه عبر عن وجهة نظره ببلاغة تفوق أي كلمات" . وكتب في "خط الأخبار " صحيفة حزب العمال الثوري" من خلال تجاهل كل القضايا الرئيسية لم يقم الاجتماع إلا بتشديد أزمته ولم ينجز شيئاً".

وردت اللجنة الدولية " إن أولئك المطلعين على تاريخ الصراع ضد التحريفية سيجدون صعوبة في منع رغبة عفوية تستهجن درجة تهور المنظمين الذين دافعوا عن نشاطات الغيبو الإجرامية وعن شركاءهم تحت لافتة زائفة هي " الديمقراطية العمالية ".....إن فضح جرائم ستالين و اشتراك التحريفيين في تغطية تلك الجرائم يلعب دور مركزي في إعداد جيل جديد من الثوريين إن من يرفضون هذه المهمة تحت أي ذريعة يخدمون مصالح الثورة المضادة الستالينية ونحن واعون لهذا.

ومضى التحقيق قدماً ، ففي مايو 1977 تمكن نورث وأليكس ميتشل من تحديد مكان سيلفيا – التي أصبح اسمها الجديد بعد الزواج سيلفيا دوكسزي- في البيوت المتنقلة في دايتون ولاية إيلينوي.

وعند سؤالها عن ماضيها السياسي أقرت دوكسزي ( وهي سبق أن لقبت بكالن ، و بكالدويل وبفرانكلين) بعملها سكرتيرة لكانون لكنها سعت لوضع سنواتها في حزب العمال الاشتراكي جانباً بوصفها فترة غير هامة من حياتها. وكما أشارت صحيفة جمعية العمال في الحادي والثلاثين من مايو 1977 إلى تصريحها الذي قالت فيه " لا أرى ما أهمية الموضوع فأنا لم أخض أبداً غمار السياسة . لم أقرأها أبداً ولم أفهمها . كنت طفلة غير ناضجة هذا كل ما يمكنني قوله...يبدو أنني ألغيت كل تلك الفترة من حياتي".

وفيما يخص جيمس ب. كانون التي عملت معه يومياً قرابة عقد من الزمان قالت كالن بازدراء غير خفي " لم يكن رجلاً مهماً في رأيي. هل كان مهماً؟ ما هي مساهمته في العالم؟

وعندما سألها نورث وميتشل عن سبب اتهامها بوصفها متآمرة مشتركة في حلقة جواسيس الغيبو ادعت كالن فقدان الذاكرة .

ولد نشر مقابلة اللجنة الدولية للأممية الرابعة مع سيلفيا كالن المزيد من القلق لدى قيادة حزب العمال الاشتراكي والبيروقراطية الستالينية. وكان لدى المتورطين في اختراق الحركة التروتسكية أسباب محقة للاعتقاد بأن تحقيق الأمن والأممية الرابعة سينشر المزيد من الاكتشافات لفضح تورط الغيبو في الاندساس في الحركة التروتسكية . وبعد نشر المقابلة مع كالن في 31 مايو 1977 رد هانسون عبر مقال في مجلة أنتركونتينانتال برس نشر في 20 يونيو 1977 تحت عنوان تصعيد من قبل مؤيدي جيري هيلي في اتهامات قادة التروتسكية الابرياء.

سعى هانسون ، عبر المقال، للتشكيك بالمقابلة " المزعومة" مع كالن وقال أن اللجنة الدولية للأممية الرابعة صعدت افتراءاتها ضد قيادة حزب العمال الاشتراكي".

هاجم هانسون تحقيق الأمن والأممية الرابعة من خلال السخرية من الادعاء بأن كالن كانت عميلة. وسعى لدعم كالن من خلال الإشارة إلى تقرير لجنة الرقابة عام 1947 الذي سنتناوله لاحقاً بالتفصيل. استمعت لجنة الرقابة التي انعقدت في شهري مايو ويونيو 1947 بدعوة من قيادة حزب العمال الاشتراكي إلى أدلة دامغة قدمت قبل ذلك بأسابيع تتعلق بكشف أن سيلفيا كالن كانت عميلة للغيبو. وبدلاً من التحقيق في تلك الاتهامات قامت اللجنة بالتغطية على كالن بوصفها عميلة وفرضت السرية على الأدلة.

وكتب هانسون في مقاله الذي صدر في العشرين من يونيو 1977:

إن هذه الهيئة المختارة من صائدي السحرة ( ويقصد اللجنة الدولية للأممية الرابعة) سخرت نفسها لافتراء سبق أن لمحت إليه(ففي الواقع فإن لجنة الرقابة التي نظمها حزب العمال الاشتراكي عام 1947 لفحص الإشاعات حول كالدويل ( أي كالن ) كانت مزورة.

ولجأ هانسون إلى أساليب التخويف الستالينية. وبسبب عجزه عن تحدي المقابلة مع كالن كتب هانسون: " يقدر أنصار هيلي تماماً على بدء العنف الجسدي مباشرة ضد قطاعات أخرى من الحركة العمالية" وحذر في ذلك المقال اللجنة الدولية مهدداً بأن التحقيق يمكن أن يقود إلى نتائج مميتة.

وبعد أقل من أربعة أشهر وفي الصباح الباكر من يوم 16 أكتوبر 1977 تم اغتيال توم هينيهان ابن السادسة والعشرين والعضو في اللجنة السياسية لجمعية العمال في مدينة نيويورك على يد قاتلين محترفين خلال إشرافه على حدث حزبي عام في نادي بونس الاجتماعي . وعلى الرغم من تحديد هوية القاتلين بسرعة لكن شرطة نيويورك رفضت تنفيذ أي عملية اعتقال . وفي النهاية وبعد حملة استمرت ثلاث سنوات شنتها جمعية العمال ساهم خلالها عمال من سائر أرجاء البلاد بكتابة رسائل دعم تم توقيف القاتلين ومحاكمتهما وإدانتهما في يوليو 1981 بالقتل والشروع بالقتل. وإثر المحاكمة قام المحقق الخاص الذي حقق في القضية لحساب محامي الدفاع بإخبار دافيد نورث بأن "ما يتداوله الشارع " هو أن القتل كان "عملية ناجحة ".

ففي أغسطس 1977 وقبل شهرين من مصرع هينيهان ، حصل آلان غيلفاند ، وهو عضو في حزب العمال الاشتراكي ومحام شاب ناشط في الدفاع عن القضايا العامة على نسخ من تقرير الأمن. والأممية الرابعة كان يوزع خارج المبنى الذي عقد فيه المؤتمر الوطني لحزب العمال الاشتراكي في أوبرلين ، في ولاية أوهايو.

قام غيلفاند بسؤال أعضاء آخرين وقادة الحزب عن الوثائق وبشكل خاص حول مذكرة مكتب التحقيق الفيدرالي الصادرة عام 1940 التي أشارت إلى اجتماع هانسون مع الغيبو ومع حكومة الولايات المتحدة وحصل على تفسيرات مختلفة ومتناقضة الأمر الذي دفعه لدراسة نشرة الرد الرسمي الداخلي لحزب العمال الاشتراكي باهتمام وتوصل غيلفاند إلى أن التفسيرات التي قدمها حزب العمال الاشتراكي قد دحضت عبر الوثائق التي كشف عنها تحقيق الأمن والأممية الرابعة.

واستمر في المطالبة بمناقشة علاقات هانسون بالغيبو وبهيئات الولايات المتحدة وكذلك ارتباطات كالن بالغيبو في حين واظبت قيادة حزب العمال الاشتراكي مراراً وتكراراً على منعه من الحديث عن الأمر مع باقي أعضاء الحزب وهددته بعقوبات انضباطية وخلص غيلفاند إلى أن هذه التغطية مرتبطة بنشاط وكلاء حكوميين رفيعي المستوى مازالوا مستمرين في العمل داخل الحزب.

في ديسمبر 1978 قدم مذكرة استشارية " مساندة للمحكمة" لدعم قضية رفعها حزب العمال الاشتراكي تتعلق بقيام مكتب التحقيق الفيدرالي بمراقبة الحركة عبر برنامج ( كوينتلبرو) وهذه القضية التي رفعها حزب العمال الاشتراكي بالأساس بهدف جمع المال لم تهدف إلى كشف العملاء السابقين أو النشيطين. و في النهاية أنهت حكومة الولايات المتحدة القضية عبر دفع مئات آلاف الدولارات إلى حزب العمال الاشتراكي دون أن تحدد هوية أي عميل اخترق الحزب. وخلال فترة المحاكمة أقر مكتب التحقيقات الفيدرالي أنه في الفترة ما بين 1960 و 1976 كان هناك ثلاثمائة مخبر يعملون بوصفهم أعضاء في حزب العمال الاشتراكي.

ومع ذلك فإن المذكرة التي أعدها غيلفاند حول تاريخ اختراق مكتب التحقيقات الفيدرالي والغيبو للحركة ، و الإفادات الجديدة المتعلقة بكالن وبهانسون بهدف البرهنة على ضرورة قيام المحكمة بإجبار الحكومة على تحديد هوية العملاء الذين دسوا في حزب العمال الاشتراكي.

لكن هذا الطلب أزعج قيادة حزب العمال الاشتراكي التي اتهمت غيلفاند بخرق انضباط الحزب. وفي الحادي عشر من يناير 1979 قامت اللجنة السياسية لحزب العمال الاشتراكي بطرده . وكان هذا آخر اجتماع للجنة السياسية لحزب العمال الاشتراكي يحضره هانسون الذي مات في مدينة نيويورك بعد أسبوع واحد في الثامن عشر من يناير 1979 وهو في الثامنة والستين من العمر.

وفي رسالة إلى اللجنة السياسية لحزب العمال الاشتراكي بتاريخ 29 يناير 1979 أشار غيلفاند إلى أنه قد جرى طرده لمنع فضح العملاء داخل الحزب ، وكتب إن "هذا " التطهير" هو نتيجة إصراري ونضالي المبدأي خلال الثمانية عشر شهراً الأخيرة على الحصول على إجابات مقنعة على كل الأسئلة المتعلقة بعلاقات جوزيف هانسون وسيلفيا فرانكلين مع مكتب التحقيق الفيدرالي ومع الغيبو. "

وفي الثامن عشر من يوليو 1979 رفع غيلفاند قضية أمام المحكمة الفيدرالية في لوس أنجلس بدعوى أن الحكومة خرقت البند الأول من الحقوق الدستورية من خلال اختراق حزب العمال الاشتراكي بعملاء قاموا بطرده من الحزب السياسي الذي وقع عليه اختياره. ووجه غيلفاند الاتهام إلى مسؤولين رفيعين في حكومة الولايات المتحدة بما في ذلك المدعي العام ومديري مكتب التحقيق الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية وكذلك ضد أعضاء قياديين في حزب العمال الاشتراكي. فبادر حزب العمال الاشتراكي على الفور للاعتراض على القضية التي رفعها غيفلاند وسعى إلى رفضهاوتم السماع للإفادة الشفهية الأولىفي 19 نوفمبر 1979 أمام ماريانا ر بفيلزر، قاضية مقاطعة لدى حكومة الولايات المتحدة.

وفي شهر يونيو 1980 رفضت القاضية اعتراض حزب العمال الاشتراكي ورأت أن شكوى غيلفاند أثارت قضايا دستورية جوهرية. وكتبت " أن تلاعب الحكومة بحزب سياسي وفق زعم الشكوى.....يمثل تدخل فظ في الحقوق المشتركة للأعضاء وىمكن ألا ينسجم مع القواعد الدستورية".

طلب غيلفاند ومحاموه استدعاء العديد من أعضاء حزب العمال الاشتراكي الحاليين والسابقين، وسجلوا شهاداتهم وسبق الإشارة هنا إلى البعض منهم. كانت سيلفيا كالن الأولى التي تم استدعاءها وهي ادعت 231 مرة أن الذاكرة خانتها ، لكنها أقرت خلال شهادتها أنه سبق لها المثول مرتين على الأقل أمام هيئة محلفين كبرى.

التمس محامو غيلفاند الإفراج عن شهادتين مختومتين لسيلفيا كالن العائدتين إلى عامي 1954و 1958. لكن حزب العمال الاشتراكي اعترض بشدة على الالتماس الذي تذرع بضرورة استمرار فرض السرية " لأن الشهادة غير مرتبطة بأي مواضيع مرتبطة بهذه الدعوى وبالتالي لا يجب الكشف عنها.

على الرغم من أن القاضية بفايلزر التي قررت في يونيو 1980 أن طرد غيلفاند من حزب العمال الاشتراكي سيكون منافياً للدستور في حال كان بقرار من عملاء حكوميين من أجلمنع طردهم من الحزب، ومع ذلكمنعت غيلفاند ، بذريعة الأمن القومي، من الوصول إلى القرائن التي يحتاجها ليثبت انتهاك حقه وفق المادة الأولى الدستورية من قبل عملاء حكومين قاموا بطرده من حزب العمال الاشتراكي.

وفي مطالعتهم الختامية شرح غيلفاند ومحاموه خلفية الحكم المرتجل:

من الجانب القانوني تتضمن هذه القضية مفارقة مزدوجة . فبالنسبة للمحكمة كان هناك تجاذب بين مقتضيات المادة الأولى من الدستور الخاصة بالحقوق من جهة أولى وبين واجب حماية مزاعم الأمن القومي. فعبر رفض قرارات الطرد أقرت المحكمة بعبارات واضحة حق التشارك السياسي بعيداً عن تدخل حكومي لكن من ناحية أخرى ، أعربت المحكمة عن حساسيتها للمخاوف المتضاربة بقبول طلب الحكومة حجب المعلومات بدلاً من طلب المدعي بالكشف عنها. ونادراً ما شهدت قضية المصالحة بين مبدأين قانونيين متناقضين جوهرياً.

لقد جابهت الجهة المدعية الوجه الآخر للقطعة النقدية المعدنية فمن جهة أولى تم إخبارها إن كانت قادرة على البرهنة بأن قادة الحزب هم عملاء لحكومة الولايات المتحدة فإن هذا يثبت حدوث خرق للجقوق الدستورية. لكن أبسط طريقة للإثبات –وهي فحص الوثائق الحكومية والحصول على إجابات مباشرة من وكالات الحكومة – قد تم حجبها عن الجهة المدعية.

ويبدو أن القاضية خشيت من أن جهود غيلفاند لجمع القرائن سيقود إلى نشر أسرار دولة تتعلق باختراق حزب العمال الاشتراك. وفى الوقت نفسه كان حزب العمال الاشتراكي متعاوناً مع الحكومة لمنع شهادات عملاء الغيبو، تحت اليمين القانونية ، بما فيهم مارك زبوروفسكي وهو عميل قيادي في الغيبو وكان على وشك أن يجبر على أسئلة حول جريمة الاغتيال سيدوف وكذلك وولف، ورايس وكليمانت. كما اعترض حزب العمال الاشتراكي على استدعاء زبوروفسكي ووافقته القاضية. وعند رفضها لطلب غيلفاند استدعاء زبوروفسكي للشهادة انحازت القاضية إلى حزب العمال الاشتراكي لمنع الشهادة وقالت:

نظراً لطبيعة هذه القضية وفيما يخص السيد زبوروفسكي ، فقد صدر ، منذ رفع الدعوى ضده ، تشريع عرف تحت اسم حماية بعض المعلومات الخاصة بالأمن القومية وصار هذه السنة قانوناً نافذاً وبالتالي ثمة مخاطر بخرق المادة 601 (أ)عند مطالبة الشاهد بتقديم إفادة لذكر أسماء أو صفات أو أي شيء آخر يمكن أن يقود إلى تحديد هوية عملاء حكوميين محتملين قد يكون لهم مساهمة سطحية في حزب العمال الاشتراكي.

كما أن هذا القانون نص على أن أي شخص يمتلك مثل هذه المعلومات ويفشيها ، وبغض النظر عن دوافعه، يمكن أن يلاحق وأن يغرم بخمسين ألف دولاء وأن يسجن لفترة يمكن أن تصل إلى عشر سنوات. وعلى هذا أشعر أن استحضار المادة الخامسة في هذا المجال الذي يمثل النقطة المحورية في هذه المحكمة وربما كان هذا تخوف مشروع للشاهد ولمحاميه ويجب على المحكمة احترام ذلك وعليه وبناء على المادة الخامسة التي تم تأكيدها في هذه الدعوى فأنا لن أأمره بالمزيد من الإجابات.

وكانت أعلى مستويات حكومة الولايات المتحدة وجهاز الاستخبارات والجيش تراقب القضية عن كثب. وفيما يتعلق بأولئك الذين ذكروا صغر حجم الحركة التروتسكية النسبي دليلاً على عدم أهميتها فعليهم دراسة مذكرة المستشار العام لوكالة الاستخبارات، ستانللي سبوركين الصادرة في الحادي عشر من يونيو 1982 الموجهة إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية

ويليم جي. كاسي التي ذكرت قضية غيلفاند بوصفها قضية " فائقة الأهمية بالنسبة لوكالة الاستخبارات المركزية ".

وفي اليوم الأخير من المحكمة في التاسع من مارس 1983 تم استدعاء جاك بارنز ، السكرتير الوطني لحزب العمال الاشتراكي للشهادة وأنهى شهادته بتحية استثنائية لكالن ، عميلة الغيبو، وسماها " واحدة من أبطالي، فبعد مضايقتها وما عانت منه خلال العامين الأخيرين فأنا أكن لها شعور أقوى الآن حول صفاتها حتى مقارنة مع الماضي". وإثر شهادة بارنز ، أفرجت بفايلزر فجأة عن نصوص كل من جلستي هيئة المحلفين الكبرى لعامي 1954 و 1958 ، ربما لأن شهادة بارنز كانت أكثر من أن تحتمل.

وفي شهادتها العائدة لعام 1954 استخدمت كالن التكتيك الذي ستلجأ إليه لاحقاً، عام 1977، في مواجهة نورث وميتشيل وخلال فترة شهادتها عام 1980 ونقصد فقدان الذاكرة. ففي عام 1954 أكدت كالن أنها كانت متزوجة زالموند فرانكلين وأنهما شاركا في اجتماعات رابطة الشيوعيين الشباب الستالينية لكن في ردها على الأسئلة الحرجة مثل إن كانت قد التقت لويس بودنز ردت كالين : " لا أستطيع الإجابة نظراً لإمكانية تجريم نفسي" ، واستتدت في هذا إلى المادة الخامسة.

أما في مثولها الثاني أمام المحلفين في الثامن عشر من يونيو 1958 روت كالن قصتها بوصفها عميلة داخل حزب العمال الاشتراكي وسردت كيف كان يدفع لها نقدياً مقابل إيصال معلومات سرية من مكتب جيمس كانون لاثنين من جواسيس الغيبو البارزين وهما الدكتور غريغوري رابنوفيتش- وهو روبرتز الذي عمل بودنز معه- وجاك سوبل وكلاهما كانا من عملاء الغيبو.

اعترفت كالن بأن الغيبو كان على اطلاع على كل شيء مثل المراسلات الدولية، وأوراق النقاش الداخلية من الحركة التروتسكية في سائر أرجاء العالم، وجميع رسائل جيمس كانون ومعلومات شخصية حول الأعضاء. وأقرت بأنها التقت الدكتور غريغوري رابنوفيتش زعيم حلقة عملاء الغيبو في نيويورك والذي التقى به هانسون عام 1938. وسنقتبس باستفاضة شيء من شهادتها التي أوردناها في الأجزاء الأربع من السلسلة التي نشرناها مؤخرًا وهذا مقتطف منها:

س: والآن لقد قدمت وصفاً لنسخة الستانلس التي قدمتها ، هل تستطيعين تذكر محتوى المادة التي قمت بضربها على الآلة الكاتبة؟

ج: حسناً أتذكر أن دوري كان محصور بالطباعة وكان معظم ذلك خلال الصراعات داخل الحزب وخلال اجتماعات اللجنة السياسية ، من كان يتصارع مع من، وإن كان هناك مراسلات من ليون تروتسكي كنت قد رأيتها، ثم كنت أحاول تذكر محتويات تلك الرسائل وكتابته ، ومن يذهب مع من وأشياء مماثلة ، أمور شخصية مثل هذا ، أتذكر مقدار المال لديهم ، عرفت كما تعرف مسألة موازنة رصيد المصرف وأشياء من هذا القبيل.

قامت القاضية بفايلزر، مدفوعة برغبة منع غيلفاند من فضح مدى عمق تدخل مكتب التحقيقات الفيدرالي في حزب العمال الاشتراكي، برفض طلبه الإفراج عن معلومات حول عملاء محددين عاملين ضمن الحزب معتمدة على حجة قانونية زائفة بأن غيلفاند غير مخول بالحصول على هذه المعلومات.

لكن الإفراج عن الشهادة العائدة لعام 1958 كان بمثابة انفجار مدمر نسف عملية التغطية على اندساس الغيبو في حزب العمال الاشتراكي وأثبت بشكل تام صحة التحقيق التي أجرته اللجنة الدولية.

وبعد مرور 43 عام على إطلاق التحقيق صارت دلالته السياسية أكثر جلاء. فالموضوع تعلق بمستوى مدهش من العمل التحقيقي صار انفجاراً هائلاً لمصلحة الحقيقة التاريخية في مواجهة تزويرات الستالينيين وحلفاءهم.

وكتبت جمعية العمال في وثيقة تشرح وجهات نظرها لعام 1978 ، التي كتبت قبل قضية غيلفلاند:

أن تحقيق الأمن والأممية الرابعة لا يمثل أقل من إنقاذ الاستمرارية التاريخية الكاملة للبلشفية من قبل الأممية الرابعة واللجنة الدولية والتخلص من قبضة الثورة المضادة والفساد الستالينية الشريرة. إن كل الكذب والتشويهات والجرائم التي اقترفتها الستالينية ضد التروتسكية ، والتجسيد السياسي لعالم أكتوبر، وكل الأفعال الشنيعة التي نفذت لتضليل أجيال من العمال وإرباكهم فيما يتعلق بالقصة الحقيقية لثورة أكتوبر ولدور تروتسكي قد عانت من نكسة لن تتعافى منها أبداً الستالينية ولا وكلاء الإمبريالية من أنصار الثورة المضادة.

كان التحقيق صراعاً سياسياً تم إجراءه تحت نيران شبكة دولية من البابلويين الذي ردوا بإدانات لاذعة . إن منتقدي تقرير الأمن والأممية الرابعة لم يقدموا أبداً تفسيراً للوقائع المتعلقة بهانسون وكالن وغيرهم ممن ثبت أنهم عملاء للغيبو مثل روبرت شيلدون هارت وفلويد كليفلاند ميللر.

لكن اللجنة الدولية للأممية الرابعة تشدد على التفسير السياسي للهجمات على تحقيق الأمن والأممية الرابعة. فبالنسبة للبابلويين تتمثل جريمة اللجنة الدولية للأممية الرابعة التي لا تغتفر بتسليط الضوء على وثائق فضحت دور الغيبو وحكومة الولايات المتحدة في زعزعة استقرار الحركة التروتسكية وكذلك دور الغيبو في اغتيال قيادة الحركة. هذا عرقل الهدف السياسي للبابلويين في التوجه نحو البيروقراطية الستالينية ، وفي حالة حزب العمال الاشتراكي، للالتقاء مع الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة.

إن انهيار الأحزاب الستالينية وتراجع نفوذ داعميه البابلويين قد أضعف قدرة الطبقة الوسطى الفاسدة و الساخرة من العثور على جمهور أوسع يصغي إلى إدانتها لتحقيق الأمن والأممية الرابعة. إن البعض من أمثال لويس برويكت و سوزان وايسمان المستمرين بمهاجمة اللجنة الدولية للأممية الرابعة على خلفية التحقيق يعانون من خيبة أمل بسبب وجود جيل جديد من العمال ومن الشباب يقر بأن استقلال الحركة العمالية المادي والسياسي عن عملاء الدولة هو قضية حياة أو موت يرتبط بها مصير الثورة الاشتراكية.