لبناء استراتيجية الطبقة العاملة في مواجهة إعادة تقسيم الشرق الأوسط من قبل الإمبريالية

١١ أيار مايو ٢٠١٨

قامت إمبريالية الولايات المتحدة بالتنسيق مع شريكتها الصغيرة إسرائيل بإشعال فتيل هجوم واسع النطاق على المستوى السياقعسكري وديبلوماسي واقتصادي ضد إيران .

فيوم الثلاثاء أعلن الرئيس دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة بشكل أحادي من اتفاق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الخاص ببرنامج إيران النووي وأعلن بشكل منفرد عن تطبيق " أعلى مستوى" من " العقوبات الاقتصادية الشاملة" ضد إيران. و من خلال هذا تجاهل ترامب حلفاء واشنطن الأوروبيين التقليديين ورفض بوقاحة تحذيراتهم من أنه سيشعل فتيل انفجار عسكري عبر الشرق الأوسط.

وليل الخميس قام أكثر من دزينتين من الطائرات الإسرائيلية ، بالاشتراك مع صواريخ أرض/ أرض بضرب مواقع الحرس الثوري الإيراني في سوريا وهي القوات التي لعبت بالاشتراك مع القوات الروسية دوراً محورياً في مواجهة التمرد الذي ترعاه الولايات المتحدة، والذي مضى عليه ثمان سنين، ضد بشار الأسد ونظامه البعثي .

ويوم أمس تفاخر وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بأن قوات الدفاع الإسرائيلية دمرت تقريباً كل البنى التحتية الإيرانية في سورية. وهناك تقارير متضاربة لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان قال بأن الهجوم الإسرائيلي قتل 24 شخص على الأقل معظمهم من المقاتلين الأجانب.

يتمثل هدف هجوم واشنطن الجديد ضد إيران بتغيير النظام في إيران وإخضاع الشعب الإيراني لاستعمار جديد وهذا أمر أوضحه ترامب بنفسه حيث قام خلال الأسابيع الأخيرة بتعديل طاقم كبار موظفي إدارته واستبدلهم بأشخاص من الذين واظبوا منذ زمن طويل على الدفاع عن فكرة الحرب ضد إيران وحصلوا على مناصب مفتاحية مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون . وفي خطاب يوم الثلاثاء أعلن ترامب تخليه عن الاتفاق النووي مع إيران وتغنى من جديد بإيران ما قبل 1979 عندما كانت ديكتاتورية الشاه الملكية المدعومة من الولايات المتحدة تقمع ، بفظاظة، الشعب الإيراني وتعمل بوصفها أداة رئيسية لتنفيذ استراتيجية الإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط وفي أوراسيا .

فبعد ربع قرن من الحرب في الشرق الأوسط الأكبر، أعادت الإمبريالية الأمريكية مضاعفةجهودها لفرض هيمنتها غير المقيدة على أهم منطقة لإنتاج النفط في العالم من خلال الترهيب والعنف والحرب الشاملة.

بالمقابل انتقدت القوى الأوروبية الرئيسية ، أي بريطانيا وفرنسا وألمانيا واشنطن بسبب نسفها للاتفاق النووي مع إيران لكن كل هذه القوى سارعت لدعم الغارات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران بوصفها " دفاعاً عن النفس" وطالبت طهران بعدم القيام بأي شيء " يصعد الوضع" وهذا يعني أن على إيران القبول بموقف سلبي وقبول ذبح قواتها. وجاء في بيان لوزارة الخارجية الفرنسية " أن فرنسا تطالب إيران بالكف عن كل أشكال الاستفزاز العسكري وتحذرها من القيام بمحاولات لفرض هيمنتها الإقليمية".

إن القوى الإمبريالية الأوروبية شجبت انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران لأنه يتعارض مع مخططاتها لاستغلال إيران وبسبب خشيتها من التداعيات الاقتصادية والسياسية لقيام الولايات المتحدة بشن حرب ضدها لكن أكثر ما يثير مخاوفها هو تمسك واشنطن بقيادة أي عملية عسكرية لإعادة تقسيم الشرق الأوسط وترك برلين ولندن وباريس لتتساوم على الفتات. وهذا هو السبب الذي دفع الأوربيين لمناقشة كيفية الرد على قيام ترامب بتدمير الاتفاق النووي مع إيران وترافق ذلك بدعوة أوروبا لتسريع عملية إعادة التسلح وإلى تطوير قوة تدخل عسكرية أوروبية مستقلة .

إن أحداث هذا الاسبوع قد فاجأت وهزت نظام إيران البورجوازي الوطني الذي يقوده الملالي، حتى أن الحكومة الإيرانية لم تقر علناً بأنها كانت هدفاً لعدوان إسرائيلي حيث أن التلفزيون ووكالة أنباء فارس وغيرها من المواقع على الشبكة المرتبطة بالنظام الإيراني تحدثت عن الهجوم الإسرائيلي بوصفه مجرد غارة فاشلة ضد سوريا.

ففي أعقاب انتخاب ترامب راهنت طهران على القوى الأوروبية للحفاظ على الصفقة النووية لكن بدلاً عن ذلك وضعت بريطانيا وفرنسا وألمانيا ثقلها لدعم مطالب ترامب للحصول على مزيد من التنازلات من قبل طهران بما في ذلك وضع حد لنشاطاتها التخريبية المفترضة في سوريا وفي اليمن - واقتصرت مقترحات الأوروبيين على أن يكون الأمر في إطار " مفاوضات" منفصلة غير مرتبطة بشكل مباشر بمصير الصفقة القائمة .

ولم يكن تواطؤ روسيا مع غارة يوم الخميس أقل إثارة لقلق طهران حيث بدا واضحاً أن موسكو أعطت الضوء الأخضر خلال الساعات العشر التي أمضاها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت أبكر خلال اليوم ذاته.

وهكذا فإن الأمر لا يقتصر على واقع أن إيران تواجه فشل الصفقة النووية الإيرانية بل هي تواجه أيضاً احتمال التوصل إلى " تفاهم " بين القوى الكبرى لإستبعاد إيران من سوريا وهذا أمر حيوي للمحافظة على علاقاتها مع حزب الله في لبنان ومع حماس وجماعات فلسطينية أخرى.

وأخيراً وليس آخراً فهناك أزمة اجتماعية متصاعدة في إيران فخلال العام الماضي وكذلك خلال الاحتجاجات الجماهيرية في بداية عام 2018 ، تقدمت الطبقة العاملة الإيرانية التي طال اضطهادها الصفوف في تحدي سياسات التقشف الفظة التي تمارسها كل فصائل النخبة الإيرانية بما في ذلك من يدعون بالمتشددين. لكن عندما ستجد نخبة الملالي والبورجوازية الإيرانية نفسها محشورة في الزاوية فمن الممكن أن تختار العمل العسكري .

وكل الأمور تجعلنا نفترض – وهذا أمر تضمنه عجز إيران حتى عن الاعتراف بغارة يوم الخميس الإسرائيلية- أن البورجوازية الإيرانية ستتركز جهودها للوصول إلى تقارب مع الإمبريالية و فوق هذا فإن القيام بهذا يعني المزيد من الركوع وتقديم التنازلات بما في ذلك تنازلات ضد مصلحة الطبقة العاملة لصالح سياسات المستثمرين.

فخلال العقود الأربعة الماضية سعى حكام الجمهورية الإسلامية ، على الرغم من شعار" الموت لأمريكا"، بنشاط للتوصل إلى توافق مع واشنطن، حيث قدمت طهران دعمًا ضمنيًا للولايات المتحدة خلال حرب الخليج عام 1991 وكذلك تقديم دعم لوجستي وسياسي لقيام الولايات المتحدة بغزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003.

إن واشنطن واعية تماماً لهذا وفي واقع الأمر فإن ترامب ومستشاريه يراهنون على هذا فمن خلال تشديد الضغط العسكري والاقتصادي على إيران تستند حسابات واشنطن على قدرتها على دفع البورجوازية الإيرانية، المذعورة من تصاعد المعارضة الشعبية، للرضوخ لمطلب الولايات المتحدة وتخلي طهران علناً عن أي تحد لهيمنة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط وفتح الاقتصاد الإيراني أمام استغلال وول ستريت الجشع.

وكما شرح ليون تروتسكي قبل 90 سنة رداً على ادعاءات ستالين لتبرير إصراره على قيام الحزب الشيوعي الصيني بإخضاع نفسه لحكومة الكيومنتاغ البرجوازية بزعامة شيانغ- كي- شيك.

"إنه لمن الخطأ الفادح الاعتقاد بأن الإمبريالية تقوم بشكل ميكانيكي بتوحيد كل طبقات الصين من الخارج .... إن النضال الثوري ضد الإمبريالية لا يضعف بل ، وبالأحرى ، يعزز التمايز السياسي بين الطبقات.... كل ما يؤدي إلى صعود نضال جماهير العمال المضطهدين والمستغلين سيدفع البرجوازية الوطنية لتشكيل تحالف مفتوح مع الإمبرياليين . إن الاضطهاد الإمبريالي لا يضعف الصراع الطبقي بين البورجوازية وبين العمال والفلاحين بل على العكس بل إنه يشحذه إلى حد تحول كل صراع جدي إلى حرب أهلية دموية (Leon Trotsky on China, New York: Monad 1976, p. 161)."

إن النضال ضد العدوان الإمبريالي وضد الحرب ، في الشرق الأوسط ، كما هو الحال حول العالم يجب أن يستند إلى حشد الطبقة العاملة حول سياسة مستقلة وفق منظور الثورة الدائمة.

وبشكل عام فإن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شهدا عام 2018 انبعاث الصراع الطبقي، فبالإضافة إلى الاحتجاجات الجماهيرية في إيران كان هناك إضرابات كبرى في تونس وفي إسرائيل وتركيا كما هو الحال في الولايات المتحدة وفي أوروبا.

إن الطبقة العاملة الدولية هي القوة التي تمتلك السلطة الاجتماعية لحشد جماهير الإقليم بشكل يتجاوز الخطوط الإثنية والدينية- الطائفية ، من إيرانيين وعرب وأتراك وأكراد وإسرائيليين، بهدف معارضة الحرب وجشع واشنطن وغيرها من القوى الإمبريالية.

ويجب على العمال في كل أرجاء العالم معارضة التوجه نحو حرب إمبريالية ضد إيران بغض النظر عن الشكل الذي ستأخذه من عقوبات اقتصادية قاسية ، أو التهديدات بالحرب، أو الضربات العسكرية أو الحرب الشاملة. إن هؤلاء الذين يقودون حملة إخضاع الشعب الإيراني هم بالتحديد تلك القوى التي تقود الهجوم على المكتسبات الاجتماعية وضد حقوق العمال الديمقراطية في شمال أمريكا وفي أوروبا.

إن معارضة الهجوم الإمبريالي ضد إيران يعني تشجيع ودعم الحركة الطبقية المتنامية للطبقة العاملة الإيرانية ضد التقشف وضد اللامساواة الاجتماعية كما يعني تسليح تلك الحركة ببرنامج اشتراكي أممي يربط النضال ضد البورجوازية الإيرانية والنضال في سبيل سلطة العمال في إيران بحشد جماهير الشرق الأوسط ضد الإمبريالية وفي سبيل فيدرالية اشتراكية في الشرق الأوسط.

كيت جونز