الأزمة اليونانية تصل إلى ذروتها

٢٨ حزيران يونيو ٢٠١٥

أدى قرار السلطات المالية الأوروبية بإنهاء برنامج الاتحاد الأوروبي لإنقاذ اليونان والحد من التدفقات الائتمانية للبنوك اليونانية إلى وضع الدولة على حافة الانهيار الاقتصادي والمالي. وتُعد هذه هي المرحلة الأخيرة من الهجوم الشرس الذي قام على مدار خمس سنوات بفرض إجراءات تقشفية صارمة أدت إلى تدمير اقتصاد البلد.

وبعد أن أعلن الاتحاد الأوروبي عن إنهاء برنامج الانقاذ صرح البنك المركزي الأوروبي أنه سيحافظ على مبلغ الـ 89 مليار يورو المخصصة للبنوك اليونانية في سيولة الطوارئ، والتي قد تم فعلياً إنفاق أغلبها، ولكنه لن يزيدها. وفي مواجهة انهيار مصرفي محتمل قامت أثينا بفرض ضوابط على رأس المال وأعلنت عن إغلاق المصارف لمدة أسبوع كامل.

إن هذا البرنامج المقدم من قبل الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي "الترويكا" يُعد خطة لإجبار اليونان، التي استنزفت بالفعل، على الانتحار الاقتصادي والاجتماعي.

فهو يدعو إلى استقطاعات جديدة كبيرة في المعاشات، وزيادات ارتدادية في ضريبة القيمة المضافة مما سيخفض من القوة الشرائية للعمال، وخصخصة الطاقة والموانئ و البنية التحتية للمواصلات. وقد سمّى ولفغنج مونتشاو الكاتب بجريدة الفينانشيال تايمز هذا البرنامج بـ"النسخة الاقتصادية من الجحيم لدانتي"، مضيفاً "أنه سيجلب الدمار الاقتصادي الكامل لليونان".  

وبفرضها هذا الجحيم، فإن النخب المالية والسياسية الأوروبية قد أظهرت بوضوح أن شيئاً لن يوقفها عن هدم كل الأعراف والمبادئ الديمقراطية لفرض ديكتاتورية رأس المال. وعلى الطبقة العاملة أن ترسم كشف حساب سياسي للتجارب المريرة للشهور الخمسة الماضية وأن تتقدم ببرنامجها المستقل في صراع الحياة أو الموت هذا.

إن تأكيد حزب سيريزا على ضرورة رفض أي كفاح من أجل الاشتراكية وحصول الطبقة العاملة على السلطة السياسية بوصفه أمراً غير واقعي قد ضحدته الأحداث. بل على العكس من ذلك فإن السياسات التي انتهجها سيريزا هي التي أثبتت إفلاسها التام.

فعلى مدار خمسة شهور، لم يقم سيريزا بفعل أي شيئ للدفاع عن الطبقة العاملة اليونانية من الهجوم الذي شنته الطبقة الحاكمة. فقد رفض حتى أن يفرض ضوابط على رأس المال في الوقت الذي سحبت فيه القلة الحاكمة اليونانية المليارات وكدّستها في حسابات مصرفية خارج البلاد – هذا المال الذي تم الحصول عليه من خلال فرض الجزء الأكبر من تدابير التقشف الذي طالب به جلادو اليونان. 

إن كل ما فعله سيريزا هو فرض ضوابط تمنع فقط العمال اليونانيين من الوصول إلى أموالهم لإطعام أسرهم. 

سيريزا لم يتوقع أي شيئ على الإطلاق.

وتقوم سياسات سيريزا على المصالح الاجتماعية لقطاعات من الطبقة الوسطى العليا. فقد قامت استراتيجيته بأكملها على الأمل البائس بأن يتم إقناع فئة من البورجوازيين بأن يتقدموا لإنقاذ اليونان ويقبلوا ببرنامج تقشف مُعدل.

وعلاوة على ذلك، فإن حزب سيريزا يعارض التعبئة المستقلة للطبقة العاملة على أساس برنامج اشتراكي وثوري. وفي مقابل المطالبات بالإفقار الشامل للطبقة العاملة اليونانية  تعلق بالأمل في أن يتمكن من استخدام المسكنات لإقناع الجماهير بالتقشف. 

وتستمر هذه السياسات من خلال الدعوة إلى استفتاء يوم 5 يوليو لتحديد ما إذا كان يمكن القبول بالتدابير الأخيرة للاتحاد الأوروبي. وتنشغل حكومة سيريزا بممارسات سياسية استخفافية، الغرض الرئيسي منها هو فرض مسؤولية سياسية لقبول جولة جديدة من التقشف القاسي على الشعب اليوناني.

سياسياً، فإن الحكومة اليونانية لديها فعلياً تفويض واضح لرفض مطالب التقشف. فقد انتخبت على أساس نداءات الغضب الشعبي العارم ضد إملاءات البنوك الأوروبية. ومع ذلك فقد أصر حزب سيريزا منذ البداية على التزامه ببرنامج الإنقاذ ورغبته في الوصول إلى اتفاق مع المؤسسات الأوروبية.

في هذه المرحلة، ليس من الواضح ماذا سيتقرر عن الاستفتاء. فقد أشارت المؤسسات الأوروبية إلى أنه لو تخلفت اليونان عن دفع ديونها المقررة المستحقة يوم الثلاثاء فسيتم إلغاء الإتفاقية بأكملها. وعلاوة على ذلك، فإن حزب سيريزا لم يقم بأي محاولة لشرح ما سيتم فعله إذا ما تم التصويت بـ "لا"، كما أنه لم يقدم أي إشارة إلى الكيفية التي سيغير بها سياسته في السعي للبقاء في منطقة اليورو والوصول إلى اتفاق مع دائني اليونان.  

حتى في هذه اللحظة، يأمل سيريزا في تسوية ما. فمع مرور يوم الأحد، وتزايد القلق بشأن تأثير موقف ألمانيا المتشدد على الأسواق الأوروبية، تأتي الدعوات بإيجاد مخرج من المأزق الذي سيتم مواجهته. ومن مُنطلق القلق على كلٍ من الآثار المالية والجيوسياسية للأزمة اليونانية، فقد اتصل أمس الرئيس الأمريكي أوباما بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لمناقشة ضرورة أن "تستأنف اليونان الإصلاحات والنمو ضمن منطقة اليورو". 

ومن جانبها، فإن المؤسسات الأوروبية تُبقي على إمكانية تغيير النظام. وقد حذرت صحيفة الفينانشيال تايمز من هذا الإحتمال في إفتتاحيتها المنددة بسيريزا يوم الأحد. فقد كتبت: "حاول جورج بابندرو القيام بمناورة مماثلة (أي القيام باستفتاء) في 2011 حين كان رئيساً للوزراء. واستمرت صفقة الإنقاذ القاسية بينما فقد السيد بابندرو منصبه". 

وللتعامل مع المعارضة الجماهيرية في الطبقة العاملة، فلا شك أنه في هذه اللحظة يقوم كبار الجنرالات بالتآمر خلف الأبواب المغلقة، والنظر في إمكانية استخدام الجيش للتدخل المباشر ومواجهة الاحتجاجت بالعنف والقمع. وقد مهد سيريزا الطريق لمثل هذه النتيجة من خلال جهوده الخاصة لضمان دعم الشرطة والقوات المسلحة ضد الطبقة العاملة. 

إن الوضع الذي تواجهه الطبقة العاملة خطير. فهو يضع على المحك، ليس فقط مستقبل العمال في اليونان، بل في كل أوروبا. فمن خلال السعي إلى إذلال سيريزا، تهدف البنوك الأوروبية إلى إرسال إشارة بأن الانتخابات الشعبية، مثل تصويت يناير ضد التقشف والذي أتى بسيريزا إلى السلطة، ليس لها أي تأثير على السياسات الفعلية التي يجري تنفيذها. فهذا يجعل من اليونان نموذجاً أنه لن يكون هناك تسامح مع أي معارضة للتقشف.

ويدعو الموقع الالكتروني للاشتراكية العالمية العمال في اليونان إلى التصويت بـ"لا" على مطالب الاتحاد الأوروبي بالمزيد من التقشف. ولكن لابد من فهم تبعات مثل هذا التصويت بـ"لا".

فقد أعلنت الترويكا – صوت رأس المال العالمي – حرباً اقتصادية على اليونان. وفي المقابل، يجب أن تتقدم الطبقة العاملة ببرنامجها على أساس من الكفاح الثوري ضد النظام الرأسمالي.

ولن تتمكن الطبقة العاملة من الدفاع عن نفسها دون اتخاذ إجراءات فورية للتصدي لمؤامرة الطبقة الحاكمة اليونانية والدولية والأخذ بمقاليد السلطة عن طريق تشكيل حكومة عمالية. فيجب الاستيلاء على البنوك والصناعات الاستراتيجية مثل الشحن ومُصادرة حسابات وأصول أموال القلة الحاكمة التي تسيطر على اليونان.

علاوة على ذلك، ينبغي على العمال في اليونان أن يطالبوا بالدعم والقيام باحتجاجات مماثلة لحشد المعارضة القوية ضد التقشف داخل الطبقة العاملة الأوروبية ككل.  فإذا نجح الاتحاد الأوروبي في جعل اليونان نموذجاً، فإنه سيتحول سريعاً إلى فرض التدابير الوحشية التي أقرها في اليونان على الطبقة العاملة الأوروبية بأكملها. وتتطلب المقاومة الناجحة لهذه الهجمات التعبئة السياسية للطبقة العاملة في جميع أنحاء أوروبا ، كما في اليونان، من خلال كفاح ثوري من أجل الاشتراكية.

ألكس لانتير