تشنجات في مصر تشير إلى حقبة جديدة من الثورة العالمية

٩ تموز يوليو ٢٠١٣

هذا المقال متوفر في شكل PDF.

تحمل الأحداث والتشنجات الحاصلة في مصر هذا الأسبوع والتي بلغت ذروتها في الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي، أهمية هائلة للطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم.

وإنّ أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الأحداث هو الفيض الهائل للمعارضة الاجتماعية لنظام مرسي الإسلامي، ذاك أنّ الحشود التي تفيض مراكز المدن لا تقدّر بعشرات أو مئات الآلاف، وإنّما بالملايين، حيث أنّ عشرات الملايين من الناس قد شاركوا فيها في كل أنحاء البلاد. 

وكتب كارل ماركس وفريدريك إنجلز عام 1844 عشيّة أولى النضالات الثورية العظيمة للطبقة العاملة الأوروبية في 1848 و1849 "إنّ دقة التحركات التاريخية، كما وحجم الجماهير التي تقوم بهذه التحركات بالتالي سيزيدان". أما "التحركات التاريخية" الجديدة التي تجذب عشرات الملايين إلى النضال فهي ثورة الطبقة العاملة العالمية الناشئة ضد الرأسمالية المتجذرة في كافة أنحاء العالم.

وقد شهدت السنوات الأخيرة إضرابات جماهيرية واحتجاجات في جميع أنحاء العالم، في دول أوروبية دمّرها التقشّف مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا، وفي دول صناعية في آسيا مثل الصين وبنغلاديش، وفي منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك احتجاجات جماهيرية للطبقة العاملة في إسرائيل، ومؤخراً أيضاً في تركيا والبرازيل. وتشكّل الموجات المتعاقبة من النضالات الجماهيرية في مصر التعبير الأكثر وضوحاً عن عملية دولية.

ونشهد اليوم سقوط الادعاءات بأنّ انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 إنّما يدل على نهاية التاريخ والانتصار النهائي للديمقراطية الليبرالية، وذلك عبر الأزمة الاقتصادية العالمية والصعود الجديد السريع للطبقة العاملة. وتعطي الاضطرابات المصرية الحاصلة إشارات إلى ما هو آتٍ، ألا وهو دخول مئات الملايين من العمال والشعوب المقموعة في نضالات ثورية هائلة من شأنها أن تظهر ثورات الحقبات السابقة أقل أهمية بكثير.

أما القوى الدافعة وراء هذا التصاعد السريع في النضال الطبقي فهي تناقضات النظام الرأسمالي العالمي، ذاك أنّ المشاكل التي تقود العمال إلى النضال في أي بلد هي في المقام الأول ذات طابع دولي لا ذات طابع وطني. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ عولمة الحياة الاقتصادية ضمن قيود الملكية الخاصة الرأسمالية لوسائل الإنتاج ونظام الدولة القومية، قد أدّت أكثر من أي وقت مضى إلى نشوء طفيلية مالية، وعدم مساواة اجتماعية، وفقر، وحرب، كما وإلى انهيار الديمقراطية.

وتشكل هذه الأوضاع تحققاً تاريخياً لتوصيف ليون تروتسكي لهذه الحقبة، وهو أعظم شخصية ثورية في القرن العشرين كتب "عذاب موت الرأسمالية" في البرنامج المرحلي وهو برنامج تأسيس الأممية الرابعة. وأوضح تروتسكي في كتاباته في عام 1938 أي عاماً واحداً قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية أنّ الشروط أو الظروف الموضوعية المسبقة لثورة اشتراكية قد نضجت، معلناً أنّ أزمة البشرية التاريخية "إنما هي أزمة قيادة ثورية."

وفي ذلك الوقت، كان تروتسكي يكتب ضد البيروقراطية الستالينية والاجتماعية الديمقراطية والعمالية التي كرّست كل طاقاتها لمنع الثورة الاشتراكية. ونتج عن هذه الخيانات سلسلة من الهزائم المدمّرة تكبّدتها الطبقة العاملة إلى جانب الفاشية والحرب العالمية. 

وأعادت النضالات الجماهيرية الحالية إلى الواجهة أزمة القيادة الثورية لدى الطبقة العاملة. وإنّ الظروف الموضوعية للثورة الاشتراكية آخذة في الظهور بسرعة ولكن يبقى غياب قيادة سياسيّة مساوية لمطالب حقبة ثوريّة جديدة مشكلة ينبغي حلّها.

نجحت الانتفاضاتُ الجماهيرية في مصر بالاطاحة بحكامٍ فرديين وزعزعة النخبة السياسية، ولكنّها فشلت في الإطاحة بالنظام العسكري، وبالتالي بإنهاء الاستغلال الرأسمالي والقمع، أو بوضع حدّ للدولة الرأسمالية.

قامت موجاتٌ من التعبئة الجماهيرية في مصر بخلع مبارك في عام 2011، ولكن لم يكن من حزبٍ موجودٍ آنذاك مستعد بما يكفي لقيادة الثورة الاشتراكية، فبدلا من ذلك، كانت توجد أحزاب برجوازية مفلسة مقيدة بالإمبريالية الأمريكية وبسياسات التقشف التابعة لصندوق النقد الدولي، فضلاً عن مجموعة من الأحزاب البرجوازية الصغيرة واليسارية الزائفة مستندة إلى وجهات النظر النرجسية لسياسات الهوية ومعادية لأية حركة مستقلة للطبقة العاملة. ولم يكن لأي من تلك التنظيمات أيّ برنامج شعبي لتلبية احتياجات الجماهير، فسقطت السلطة في أيدي مجلس عسكري.

وأخذت المعارضة الجماهيرية للمجلس العسكري، بقيادة الطبقة العاملة، تزداد طوال عام 2011 وصولاً إلى عام 2012. إلا أنّ إفلاس المعارضة البرجوازية وملحقاتها اليسارية الزائفة أتاح لجماعة الإخوان المسلمين اليمينية أخذ زمام المبادرة ووضع يدهم على السلطة. وقد أشاد الاشتراكيّون الثوريّون الذين لا يستحقون هذا الاسم بانتصار الإخوان المسلمين في انتخابات حزيران 2012 معتبرين أنّه يشكّل انتصاراً للثورة.

وبعد عام واحد فقط، برزت حركة جماهيرية على صعيد الوطن معارضة لجماعة الاخوان المسلمين والرئيس مرسي الذي لم يكن نظامه أقل دكتاتورية من نظام المجلس العسكري ذهبت أبعد بكثير من ساحة التحرير. ولكن في غياب حزب عمالي ثوري اتفقت الأحزاب العسكرية والبرجوازية والبرجوازية الصغيرة في سلسلة من المفاوضات المحمومة، على الإطاحة بمرسي وتشكيل مجلس عسكري جديد يتقدمه ائتلاف من الشخصيات البرجوازية وذلك في ضربة وقائية ضد ظهور حركة ثورية للطبقة العاملة.

وإذ يشعر الجيشُ بأنّه أضعف من أن يشنّ هجوماً مباشراً على الجماهير الثائرة، نراه حالياً يعمل وراء واجهة ائتلاف لإعداد حرب استنزاف ضد الطبقة العاملة. وفي حين يستعد الجيش لعمليات قمع شامل، سيسعى إلى إنهاك المعارضة في الطبقة العاملة لسياسات التقشف الاجتماعي وتعاون الجيش المصري مع الإمبريالية الأمريكية. وليس من الصعب التنبؤ في هذا السياق بأنّ جماهير العمال المصريين والفقراء في المدن والريف يتوجهون نحو مواجهة جديدة مع هذا النظام الآيل للسقوط.

ويجب تعلم الدروس المستقاة من هذه التجارب الحاسمة ليس في مصر وحسب، بل وأيضاً في جميع أنحاء العالم. وفي النضال من أجل تطوير قيادة ثورية حقيقيّة في الطبقة العاملة، مستندة إلى الدروس التاريخية في القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، لا بدّ من إلقاء الضوء والتأكيد على بعض المفاهيم الأساسية لنظرية الثورة الدائمة التي طوّرها تروتسكي:

* لا يمكن لأي قسم من الطبقة الرأسمالية أو ممثليها السياسيين لعب أي دور تقدّمي في أي بلد في العالم، وبخاصة في البلدان المقموعة المستعمرة سابقاً.

*  تشكّل الطبقة العاملة القوة الثورية الأساسية في جميع البلدان، وهي وحدها قادرة على المكافحة من دون تهاون لتنفيذ برنامج ديمقراطي والدفاع عنه. ويندمج الكفاح من أجل الديمقراطية مع النضال الثوري من أجل الاشتراكية وبناء سلطة العمال.

 *  يجب أن تقود استراتيجية دولية الكفاح في أي بلد. ومن ناحية العمال المصريين، فلا يمكن أن تنتصر ثورتهم إلا إلى الحد الذي تنجح فيه بجذب الطبقة العاملة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما في ذلك البروليتاريا الإسرائيلية، إلى نضال مشترك ضد النخب الحاكمة الإقليمية وأسيادهم الدمى في الولايات المتحدة وأوروبا.

لن تتوقف الإمبريالية عند أي شيء لفرض إرادتها على الجماهير في الشرق الأوسط. وليست الحروب الدامية التي بدأت في ليبيا وسوريا في أعقاب اندلاع الثورة في مصر سوى تحذيرات وحسب. أما البدائل فهي إما ثورة اشتراكية أو رسم جديد للشرق الأوسط من قبل القوى الامبريالية واستعباد للطبقة العاملة.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّه ليس من المعقول تنفيذ استراتيجية اشتراكية من دون تشكيل أحزاب ماركسية جديدة للطبقة العاملة في الشرق الأوسط وعلى الصعيد الدولي مستندة إلى منظور تروتسكي للثورة الدائمة. 

ديفيد نورث وألكس لانتييه

مأخوذ من الموقع الإلكترونيّ للاشتراكيّة العالميّة (WSWS). تم نشره من قبل اللجنة العالمية للأممية الرابعة.

تمّ تعريب هذا المقال من الإنكليزيّة. يحثّ الموقع الإلكترونيّ للاشتراكيّة العالميّة (WSWS) القرّاء في مصر وجميع أنحاء المنطقة على توزيع مقالاتنا والنضال في سبيل الاشتراكيّة. للاتصال بـWSWS، أنقروا هنا. وللإطّلاع على مزيد من المقالات في اللغة العربيّة، انقروا هنا