الطبقة العاملة المصرية تخرج إلى الواجهة

By بقلم ديفيد نورث
١٦ شباط فبراير ٢٠١١

جاءت سلسلة التقارير التي تدفقت بشكل مستمر في الأيام القليلة الماضية لتؤكد الدور الحاسم والمتعاظم الذي تلعبه الطبقة العاملة المصرية في النضال ضد نظام الرئيس مبارك. وفي حين شكلّت التجمعات الشعبية، والاشتباكات التي اندلعت في ساحة التحرير في القاهرة، محور تغطية وسائل الإعلام، فإنّ انخراط الطبقة العاملة المتزايد في النضال، كمشاركتها في التظاهرات الاحتجاجية والإضرابات، سيكون له وقعاً أعمق وأعظم في مجريات الأحداث.

لقد شارك المئات من عمال الحرير والنسيج في احتجاجات على عدم كفاية الأجور وظروف العمل السيئة، وذلك في المجتمع الصناعي في كفر الدوار، وهو مركز تاريخي لنضال أبناء الطبقة العاملة. وفي حلوان أيضاً، وهي مدينة تقع على ضفاف النيل جنوب القاهرة، قام 4000 عامل في شركتي "كوك كول" للفحم و"بايزيك كميكال كومبني" بإعلان إضراب عن العمل. وإلى جانب مطالبهم برفع الأجور وتحرير عقود دائمة للعمال المؤقتين ووضع حدّ للفساد المستشري، فقد أعلن المضربون أيضاً تضامنهم مع المتظاهرين في العاصمة. وفي عمل احتجاج كبير آخر في مدينة حلوان، شارك 2000 عامل حرير في تظاهرة طالبت بإقالة مجلس إدارة شركتهم.

كذلك الأمر، احتج 1500 عامل في مدينة المحلة التي تقع في دلتا النيل، على التأخر في دفع الأجور والعلاوات. وفي نضال آخر شهدته تلك المدينة، شارك مئات العمال في شركة تتعاطى أعمال الغزل في اعتصام للمطالبة باتخاذ خطوات ملموسة بخصوص الترقيات المتأخرة. وفي مدينة قويسنا، التي تقع أيضاُ في دلتا النيل، أضرب عن العمل 2000 عامل صيدلة.

فضلاً عن ذلك، نظّم أكثر من 6000 عامل توظفهم هيئة قناة السويس في بورسعيد، والإسماعيلية، والسويس، اعتصامات للمطالبة بتعديلات في أجورهم. وكذلك في السويس، بادر 400 عامل توظفه شركة مصر الوطنية للصلب بأعمال احتجاج في المجال الصناعي.

وقد بدأ تحرك الطبقة العاملة المصرية هذا قبل فترة طويلة من الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في القاهرة في الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني/ يناير. وكما تم توثيقه في دراسة للبروفيسور جويل بينين، وهو اختصاصي في تاريخ الحركة العمالية المصرية، فإنّ موجة الإضرابات المتنامية "تنبعث من أكبر حركة إجتماعية شهدتها مصر منذ أكثر من نصف قرن. ففي الفترة الممتدة بين عام 2004 و2008 شارك أكثر من 1,7 مليون عامل في أكثر من 1900 إضراب وغيره من أشكال الإحتجاج".

وبعكس ما هو متوقع، كان نمو النشاط النضالي للعمالة بالنسبة إلى النظام المصري المتصلّب، نتيجة غير مرحب بها للنمو الاقتصادي الحاصل خلال العقد الماضي. وقد عزّز هذا النمو تدفقُ الرأسمال العالمي الهائل في مصر خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ذاك أنّ الاستثمار الأجنبي المباشر قد ارتفع من 400 مليون دولار في عام 2000 إلى 13.2 مليار دولار في عامي 2007-2008. وتعتبر الجمهورية المصرية اليوم أكبر متلقٍ للاستثمار الأجنبي المباشر في القارة الأفريقية. وبين عامي 2004 و2007، ارتفع المعدل السنوي لنمو الناتج المحلي الإجمالي من 4 بالمئة إلى 7,2 بالمئة. إلا أنّ فوائد النمو الاقتصادي هذا اقتصرت على جزء صغير من المجتمع. ورغم الإضرابات التي نجحت أحياناً بانتزاع بعض التنازلات بالقوة، فإنّ السواد الأعظم من الشعب العامل غارق في فقر مدقع. فضلاً عن ذلك، فقد ردّ النظام على التحدي المتزايد من قبل الطبقة العاملة، بوحشية وقمع متصاعدين.

واليوم، وفي ظل حركة جماهيرية شعبية في جميع أنحاء البلاد معادية لنظام مبارك، تبقى المسألة الحاسمة متمحورة في دور الطبقة العاملة في تقرير مصير الرئيس مبارك، كما وأيضاً طبيعة النظام الذي سيكون وليد التشنجات والاضطرابات الثورية المستمرة.

أما الخطر الأعظم الذي يواجه العمال المصريين بعد تأمينهم القوة الإجتماعية الأساسية لنزع السلطة من بين يدي دكتاتور شائخ، هو أن لا يتغير شيء من الناحية السياسية سوى أسماء ووجوه بعض من القادة السياسيين. بعبارة أخرى، ستظل الدولة الرأسمالية سليمة وعلى حالها. وستظل أيضاً السلطة السياسية والسيطرة على الحياة الاقتصادية بين أيدي الرأسماليين المصريين المدعومين من الجهاز العسكري، وأسيادهم الإمبرياليين في أوروبا وأميركا الشمالية. وكما سيتم التنصّل من الوعود بالديمقراطية والإصلاح الإجتماعي في أول فرصة، ونظام جديد من القمع الوحشي سيرى النور.

إنّ هذه المخاطر غير مبالغ بها. ويثبت تاريخ النضال الثوري كلّه في القرن العشرين، وكما أصرّ ليون تروتسكي في نظريته حول الثورة الدائمة، أنّه لا يمكن النضال من أجل الديمقراطية وتحرير البلدان المقموعة من قبل الأمبريالية، إلا عن طريق إستيلاء الطبقة العاملة على السلطة بالارتكاز إلى برنامج أممي اشتراكي. 

ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ تاريخ مصر يقدّم دليلا وافياً على هذا المبدأ الإستراتيجي.

تتمتع الطبقة العاملة المصرية بتاريخٍ طويلٍ من النضال. وقد شاركت، في بدايات الحركة الوطنية ضدّ الاستعمار البريطاني، في أنشطة نضالية كبرى. ولكنّ البرجوازية المصرية الفاسدة أقامت نمطاً من شأنه أن يتكرر مرة تلو المرة، فبعد استغلال الضغوط الممارسة من قبل الطبقة العاملة لانتزاع تنازلات محدودة من البريطانيين، قامت بنكث التزاماتها كافة تجاه العمال. وعقب الاستقلال المزيف الذي أعلنته بريطانيا في عام 1922، والذي استمرت لندن بموجبه في الحكم من خلال آلية ملكية دستورية مرتشية بالكامل، بقيت الطبقة العاملة تخضع لقمع لاهوادة فيه من قبل الدولة.

وفي العقود التي تلت، عارضت البرجوازية المصرية بشدّة جهود العمال لإنشاء نقابات عمالية. ولم تصبح هذه النقابات العمالية قانونية إلا تحت ضغط الحرب العالمية الثانية، عندما قام النظام المدعوم من بريطانيا بتقديم تنازلات للحصول على دعم أكبر من الشعب. ولكن ما إن ولّت الحالات الطارئة في زمن الحرب حتى همّ النظام بسحب هذا الكسب المحدود. وفي أعقاب الحرب، ورداً على نمو سريع متجدّد للطبقة العاملة، قامت البرجوازية بتنازلات للعمال، لحقتها كما تفعل دوماً، بممارسات قمعية.

وفي نهاية المطاف، وضع انقلاب الضباط الأحرار في 23 تموز/ يوليو 1952 حدّاً للحكم الملكي. شهدت الأشهر التي سبقت الإنقلاب موجة متصاعدة من نضال الطبقة العاملة قامت بإضعاف النظام الملكي. ولكنّ الستار رُفع، في غضون أسابيع قليلة، عن الطابع الطبقي للنظام الجديد الذي سرعان ما برز العقيد جمال عبد الناصر كقائد له. ورحّب العمال بالانقلاب، إذ لقت أوهامهم في الخطاب الثوري الزائف لقادة الجيش تشجيعاً من قبل الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني الستالينية، التي كانت تربطها بالضباط الأحرار علاقات وثيقة جداً (حتى أنّها كانت على معرفة سابقة بخطط الإنقلاب). وتماشياً مع النظرية الستالينية للثورة "على مرحلتين" القائلة بالديمقراطية أولاً، وفيما بعد، في مرحلة ما غير محدّدة في المستقبل، الإشتراكية، فقد عزت الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني دوراً متصاعداً لنجيب وعبد الناصر. وكان لهذا الأمر، على الفور تقريباً، عواقب مأساوية. أعلن آلاف من العمال في شركة مصر للغزل والنسيج في المجتمع الصناعي بكفر الدوار، إضرابهم عن العمل في آب/ أغسطس 1952 إحتجاجاً على المظالم التي طال أمدها. وكما ذكر، في وقت لاحق، واحدٌ من قادة الحركة:

كان من الطبيعي جداً أن يبدأ العمال بالتحرك في كفر الدوار، فقد سمعوا تصريحات الثورة التي أعلنت أنّه قد تم الإطاحة بالمملكة، وأنّ النظام ضدّ الظلم، وأنّ الشعب سيستعيد حقوقه. كان من الطبيعي أن يتقدّم العمال، الذين عانوا القمع لفترة طويلة من الزمن، ويعلنوا مطالبهم... [مقتطف من "الشيوعيون المصريون والضباط الأحرار: 1950-1954"، سلمى بوتمان، الدراسات الشرق أوسطية، المجلد 22، رقم 3 (تموز/ يوليو 1986)، ص 355] 

قمع الجيش التحرك هذا بوحشية. وعقد مجلس قيادة الثورة على عجل محكمة عسكرية لمحاكمة العمال الذين كانوا في قيادة الإضراب. وحُكِم على اثنين من قادته بالإعدام في 18 آب/ أغسطس 1952، وهما محمد خميس وأحمد البكري، وشُنقا بعد ثلاثة أسابيع على أراضي المصنع. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه كان لعبد المنعم أمين، وهو العضو في مجلس قيادة الثورة الذي ترأس المحكمة العسكرية، صلات مع السفارة الأميركية في القاهرة.

وبعد ذلك، قام نظام عبد الناصر بسلسلة إصلاحات قدّمت تحسينات هامشية في ظروف عمل الطبقة العاملة والفلاحين المصريين. أما تأميم قناة السويس، فأكسب النظام دعماً واسعاً بين الجماهير المصرية. وفي وقت لاحق، أدى تأميم الشركات المملوكة للأجانب، إلى جانب جزء كبير من الشركات المصرية، إلى ارتفاع في مستويات المعيشة. غير أنّ قاعدة النظام الناصري التي لم يكن بالإمكان معارضتها أو الطعن بها، كانت تقضي بعدم جواز قيام الطبقة العاملة بأي مبادرة مستقلة، إجتماعية كانت أو سياسية. ولنستشهد بكلمات عبد الناصر نفسه: "إنّ العمال لا يطلبون، بل نحن نعطيهم". ومتى قام العمال بتحدي هذه القاعدة ورفعوا المطالب، سجِنوا، وعذّبوا، وحتى أعدِموا. 

ومع أنّ جمال عبد الناصر أطلق على هذا المزيج من القومية الأبوية والقمع اسم "الإشتراكية العربية"، فقد بقيت البرجوازية المصرية ممسكة بثبات مقاليد الحكم. وبعد وفاة عبد الناصر المفاجأة في عام 1970، أي ثلاث سنوات فقط بعد انهزام مصر الكوارثي أمام إسرائيل في حرب الستة أيام، وصل أنور السادات إلى الرئاسة. وتنصّل النظام الجديد من سياسات عبد الناصر الإشتراكية الزائفة كما ومن العناصر في سياسته الخارجية التي كانت تثير غضب الولايات المتحدة الأميركية. أما على الجبهة الاقتصادية، فقد انتهج السادات تكييف سياساته وفقاً لمطالب صندوق النقد الدولي.

أما الخطوة الأكثر دراماتيكية التي اتخذها أنور السادات فتمثلت في مجال السياسة الخارجية. زار السادات القدس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1977 ووقع على اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل في عام 1978، في إجراء يضمن القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، ويشكل خيانة مطلقة لتطلعات الشعب الفلسطيني الوطنية. وانتقم قتلةٌ من السادات، واضعين حدّاً لحياته في تشرين الأول/ أكتوبر 1981. وتابع خلفه، حسني مبارك، سياسات السادات ولكن بشكل أكثر قسوة.

وعلى الجبهة الاقتصادية، تمّ ترسيخ الليبرالية الجديدة، إذ أعيدت قطاعات كبيرة من الإقتصاد التي قام جمال عبد الناصر بتأميمها، إلى الملكية الخاصة. كذلك في الريف، تمّ عكس جزء كبير من إجراءات إعادة توزيع الأراضي التي قام بها عبد الناصر.

وفي السياسة الخارجية، وضع السادات ومبارك كلاهما مصر، وبدون تحفظ، في تصرّف الإمبريالية الأميركية.

لم تختلف سياسات نظامي السادات ومبارك كثيراً، ولا بأي شكل من الأشكال، عن تلك التي أدخلتها الحكومات الرأسمالية ونفّذتها خلال السنوات الـ30 الماضية في أي مستعمرة سابقة ذات نمو رأسمالي متأخر.

واليوم، وفي خضم أزمة عالمية يعانيها النظام الرأسمالي وتؤثر بعمق في جميع البلدان الرأسمالية، نشهد هجوماً يستهدف الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم. وما اتجاه السياسة الرأسمالية نحو الإصلاح إنما نحو ردود الفعل، ولن تستطيع أي حكومة برجوازية في مصر معارضة هذا الاتجاه العالمي.

سيتّصف النضال الذي بدأ يبزغ اليوم في مصر بطابع امتدادي في الزمن. وستتمحور مسؤولية الماركسيين الثوريين في تطوير فهمٍ لدى العمال، حول ضرورة إقامة نضال مستقل للوصول إلى السلطة، وذلك أثناء مرورهم بتجارب سياسية ضخمة. يجب أن يرشدوا العمال بعيداً عن جميع أوهامهم بتحقيق تطلعاتهم الديمقراطية عبر الأحزاب البرجوازية. وأن يفضحوا، وبشدة، الوعود الكاذبة التي يعطيها ممثلو الطبقة الرأسمالية السياسيون. وأن يشجعوا إنشاء هيئات عمالية مستقلة يسعها أن تشكل، مع ازدياد حدّة الصراع السياسي، الأساس لنقل السلطة إلى الطبقة العاملة. كما ويجب أن يفسروا للعمال أنّ تحقيق مطالبهم الديمقراطية الأسياسية مترافقٌ لتنفيذ السياسات الإشتراكية وغير منفصل عنه.

وقبل كل شيء، على الماركسيين الثوريين رفع الآفاق السياسية للعمال المصريين إلى ما وراء حدود بلادهم. ويوضحوا لهم أنّ النضال الذي بدأ يبزغ اليوم في مصر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعملية عالمية ناشئة تتمثل بالثورة الإشتراكية العالمية، وأنّ انتصار الثورة في مصر يستلزم استراتيجية عالمية وليس استراتيجية وطنية. ففي النهاية، وبحسب آخر التحليلات السياسية، إنّ الكفاح ضد نظام مبارك وسليمان والطبقة الحاكمة المصرية هو كفاح ضد البرجوازية المصرية بأكملها، والنظام الصهيوني في إسرائيل، والإمبريالية الأميركية والأوروبية. وفي ظل هذا الصراع العالمي، تشكل الطبقة العاملة العالمية حليف الجماهير المصرية الأعظم والأهم والذي لا غنى عنه.

ما تم تبيانه أعلاه هو منظور اللجنة العالمية للأممية الرابعة واستراتيجيتها.

تمّ تعريب هذا المقال من الإنكليزيّة. يحثّ الموقع الإلكترونيّ للاشتراكيّة العالميّة (WSWS) القرّاء في مصر وجميع أنحاء المنطقة على توزيع مقالاتنا والنضال في سبيل الاشتراكيّة. للاتصال بـWSWS، أنقروا هنا. وللإطّلاع على مزيد من المقالات في اللغة العربيّة، انقروا هنا.

تعريب كارين مكرزل- تي تي إنترناشونال غروب ش.م.ل. (لبنان)

www.GroupTT.com